رحيم الحلي
لماذا احببتُ الغناء ؟ ولِمَ ذهبت الى الغناء في محنتي؟ ولمَ وقفتُ مع الغناء في محنته ؟ اسئلة مترابطة، ربما تكون الاجابة عن احدها يكفيني الاجابة عن بقية الاسئلة، في عام 1981 وجدت نفسي في بادية الشام مبعداً من السلطات السورية وكان معي العازف منير بشير كتون الذي عملتُ واياه في فرقة كمال السيد لاحقاً ، غَنينا عند الترحيل (اغنية اليمشي بدربنا شيشوف يابوعلي) للفنان جعفر حسن ،وفي الصحراء كان الغناء اجمل دواء واجمل صديق ، غَنينا بصوتٍ عالٍ ، كانت الصحراء تمتص اصواتنا ولم يكن لغنائنا صدى المطر في قصيدة السياب ، في الحالتين كان الغناء امر محتوم ، الغناء في القصيدة ، اوالغناء في الصحراء ، ان اردت الحياة فغن، احببتُ الغناء مذ كنت صغيراً ، فكيف لي ان لا احب الغناء وقد عاش سعدي الحلي في بيتنا أربعة عشر عاماً من طفولته المحزنة حيث سرد لي والدي ذكريات طفولتهما ، سمعتُ غناء والدي الذي لم يبعده تدينه ونسكه عن الغناء حين يعود مساءً الى البيت وقد هدهُ التعب خلف عربته التي يدفعها طوال النهار، لم نسمع بتكفير او تحريم الغناء بعد ، كنا بسطاء وطيبين وصادقين ومازلنا، ربما منحنا الغناء الصفاء والصبر كما منحني التجلد في بادية الشام، هل منحنا الغناء العزيمة في مواجهة الاقدار؟ اجل . احببت الغناء مذ كنت صغيراً ، حيث عشتُ في مدينة الحلة في احدى حاراتها الشعبية، كنت أسمعُ الغناء في ترانيم الامهات لأطفالها ، وغناء العمال في عملهم ، وحين تندب النساء موتاها في ايقاع وغناء موجع، حيث اتيت للدنيا من نافذة شعبية وفي حارة وُلدَ فيها المطرب سعدي الحلي وهي (عكَد الكَرعين ) في محلة المهدية ، وكانت الحارة تفتخر بذلك ، كنا نتراكضُ إلى الراديو ، حين كان يأتي الينا احد الاطفال ليخبرنا بأن الراديو يذيعُ اغنية لسعدي الحلي ، وعرفت إن سعدي قد توفت والدته في حادث مؤلم وهو صغير وانه عاش سنوات كثيرة في بيتنا، ولما بلغتُ السادسة عشر من عمري ، شاركتُ في برنامج ركن الهواة الذي كان يقدمه الفنان كمال عاكف ، ومن شجعني على الدخول إلى هذا المجال ، صديق طفولتي الاخ العزيز الفنان مقصد الحلي ، حيث قدم اسماءنا إلى كمال عاكف ، بتوصية من الفنان ياس خضر الذي تعرف اليه الاخ مقصد الحلي ، كنت حينذاك طالبا في الصف الثالث متوسط ، كان انشغالي في الدراسة يحول دون سفري إلى بغداد لإكمال المشوار، وكنت اخشى إن يؤثر ذلك على دراستي ، اما مقصد الحلي فقد اصر على السير في طريق الاحتراف ، وهو اليوم مطرب معروف رغم انه لم يأخذ ما يستحق من شهرة بسبب حالته المالية الفقيرة وانتمائه إلى اسرة معدمة مثل اسرتي . وفي محلة المهدية ، ترعرع الشاعر الراحل محمد علي القصاب ، وهو شاعر غنائي معروف ، كان السبب في دخول سعدي عالم الشهرة والنجاح ، الشاعر القصاب الذي رحل في اواخر عام 2003هو شاعر فطري موهوب ، كان يكتب لسعدي الحلي أغانيه الاولى ويصوغ لحنها ،وقد سجل سعدي اشرطته الاولى في تسجيلات عباس مهدي الوادي أبو عامر في الحلة الكائنة في شارع المكتبات ، التي لها ذكريات طويلة مع الغناء والمغنين والملحنين ،وساهمت في صناعة بعض النجوم في مجال الغناء ، وقد اوصلتُه عبر ولده عامر تحيات الملحن طارق الشبلي الذي سكن الحلة فترة قادسية صدام ، الملحن طارق الشبلي يطلب مني أن اوصل سلامه لعباس مهدي الوادي تقديراً ووفاءً لمواقفه الطيبة مع الملحن الشبلي ، حاولت ان ادون ذكريات عباس مهدي الوادي مع سعدي الحلي ومع الشاعر محمد علي القصاب فلم افلح بسبب مرضه وبسبب تشردي. الشاعر القصاب الذي كان وراء ظهور نجمنا الحلي سعدي يتطلب منا وقفة قصيرة، فالقصاب فنان فطري صاحب صوت شجي، ابتدأ حياته يشارك في مراسم العزاء لذلك حمل لقب الملا، وهو شاعر موهوب، كان يكتب كلمات الشريط، مواويل واغاني ويصوغ لحنها مع انه لم يدرس الموسيقى، ولكنه كان يمتلك رصيد استماع كبير، واذنا موسيقية مرهفة ، فكتب اغاني شريط يخمري ووضع لحنها او طريقة غنائها ، وهو الشريط الاول للفنان سعدي الحلي في أوائل الستينيات ، وكان احيانا يصوغ كلمات اغانيه وفق لحن معين مسموع ، مثل اغنية اريدك دوم تدلل، على طريقة تلحين خدك المياس ياعمري للفنان السوري صباح فخري، واغنية (ما بدلك والنبي) التي أخذ لحنها من اوبريت ابو الهيل الذي كتبه الشاعر كاظم الركابي ولحن نصوصه الغنائيةالفنان كمال السيد ، كما اخبرني الفنان الملحن كمال السيد بذلك ، عندما عملت معه في فرقة المنظمات العراقية عام 1982 في دمشق ، وكتب القصاب الكثير من اغاني اشرطة سعدي الحلي في بداياته التي اطلقته الى الذائقة الشعبية ، ثم دخل سعدي عالم الاذاعة والتلفزيون، الشاعر الفنان محمد علي القصاب لم يأخذ نصيبه من الاهتمام لا في حياته ولا في موته ، حيث توفى في مرحلة انحطاط الغناء بعد هيمنة قوى الظلام على الشارع التي تكفر الغناء وتحتقر الشعر العاطفي والغنائي ، فمرت وفاته دون اهتمام اعلامي بعد إن عانى من المرض سنوات عديدة ، ولكن ايادي الشرفاء والطيبين ، امتدت له رغم قسوة الايام ورغم سيطرة افكار التخلف والجهل على رؤوس الكثيرين ، اتذكر ذات يوم اني كنت اجلس في مقهى ام كلثوم في الحلة التي اسسها رشيد التكريتي ، كنت اقرا طريق الشعب ايام الجبهة الوطنية كان ذلك عام 1975 ، كنت اقرا الصحيفة وكانت مسجلة المقهى تصدح بأغنية ام كلثوم اسال روحك ، لفت انتباهي إن هناك شخصا يجلس على الاريكة المجاورة ، راح يشرح ابيات وكلمات الاغنية ويحلل الصور الشعرية في النص واقتباساته ، لدرجة شعرت إن المتحدث هو احد اساتذة الثانوية في مجال الادب او اللغة العربية وحين سألت عنه احد الجالسين قال لي انه الشاعر محمد علي القصاب ، الحلة قدمت للغناء الملحن كوكب حمزة الذي جاء للدراسة فيها من ناحية القاسم ، وكان عازفاً بارعاً للناي اثار انتباه زملائه في المتوسطة الشرقية ، والمطرب الريفي المبدع مظفر عبادي ، ومجيد الفراتي ، ومكصد الحلي ،وكان هناك مطربون شعبيون ظلمهم الزمن مثل المطرب مهدي الحلي الذي سار على طريقة سعدي الغنائية ولكن قادسية صدام المجيدة قد التهمت حياته وفي ريعان شبابه وعطائه كان حظه مثل حظ الشاعر حسين مردان ، مات في اليوم الاخير من قادسية صدام ، وهناك اسماء كثيرة لمعت في فترة هجرتي التي تجاوزت الثلاثين عاما فعذراً لتلك الاسماء التي لم يمنحني الزمان فرصة سماعها والتعرف عليها كالفنان خضير البنا، بلاسم الحلي ، عبد الزهرة الفراتي، خضير جدي، غني البلدي، الفنان باسم اللبان واخرين.. الحلة علمتني الغناء ، ففي درابينها الفقيرة سمعت غناء وربما بكاء الناس الذين قتل الحكام احلامهم وخذلهم الزمان والجهل، في الحلة علمني معلمو الموسيقى وتعلمت من الفكر اليساري ومن الكتب والصحف والمكتبات اما اشرطة الكاسيت فقد اعطتني لقاحا ضد التشدد العقائدي وجعلتني احب الحياة رغم الفقر والتشرد والمرارات والخيبات المتلاحقة ، فقد ادركت سر اهتمام ملوك اوربا بموسيقى بتهوفن وشتراوس وشوبان وادركت ان الموسيقى والغناء والثقافة وتطور الشعوب متلازمة حياتية، وحين يكون هناك تحريم للغناء فأعلم انك ستكون في مكان يفتقد لكثير من مظاهر الحياة..





