كتاب الحقيقة

ملعب الكشافة

جلست في سيارة الكيا متوجها الى بيتي وقد كنت في مشوار صغير( شراء صحيفة ) وضعت الصحيفة بين يدي وبسطتها وزرعت عيني في سطورها وأخذت أقرأ.وأنا منهمك في القراءة ضبطته يميل برأسه نحو الصحيفة ويختلس النظر اليها من وراء نظارته الطبية.توقفت عن القراءة..فكرت أن أضع الصحيفة تحت تصرفه حتى ينزل ما زال أمامي وقت.هتف في داخلي صوت:- أنك أريحي فيما يخص قراءة الصحيفة بل تغتبط عندما تجد من يزاحمك بقراءة الصحيفة..أيه ولع!! مثل ولع رهان الخيل الذي كفى العراقيون شره.بأدب قدمت له الصحيفة:- أقرأ لحين نزولك

فاضت عيناه بالشكر وتسلمها مني بيديه النحيلتين.وتمتمت شفتاه  بكلمات مبهمة. قرب الصحيفة الى عينيه .وأخذت تهتز الصحيفة بين يديه.صرفت وجهي عنه وملت برأسي نحو نافذة السيارة وأخذت عيناي تتصيدان واجهات المحلات،بعد دقيقة لحظته

يلثم صورة في الصحيفة ويعيدها الي ممتنا وهو يعتذر:

– ما عدت أرى الحروف بوضوح..تعبت عيناي

تسلمت الصحيفة منه.لمحت الصورة التي لثمها.عرفت سر هذه المودة التي أجمعت قلوب الفقراء على حبه.غلبني الفضول :- تحبه؟

تنهد بألم:- وصافحته

– أين ؟

هز رأسه  وغشيت وجهه الذي ملأته الغضون والتجاعيد سحابة من الألم.سرح بصره وتداعت الذكريات الى ذهنه…كنا فتية ،دون العشرين وكنا نسكن في صرايف الوزيرية وكنا من هواة لعبة كرة القدم ولدينا فريق أسميناه فريق شباب صرايف الوزيرية لكرة القدم وفي مايس سنة 1959جرت مباريات لكرة القدم بين فريقين

عراقيين في ساحة الكشافة وقد حضر المباريات سيادة الزعيم وكان فريقنا قد حضر مشاهدا وقد فكرت بمعاناة أمهاتنا وأخواتنا ومعاناتهن في جلب الماء من القصور

البعيدة من صرايفنا فجالت في رأسي فكرة وأطلعت أعضاء فريقي بها وأيدني كلهم .في فترة الاستراحة هتفنا: 

– عاش زعيمي عبد الكريمي  مجبل أعليوي بالحكم مطلب حكيمي

وكان الهتاف قريبا منه.أثار فضولي الاسم:- من هو مجبل أعليوي؟

كشر عن فم سقط الكثير من أسنانه ومد يده الى صدره وقال :- أنا

قلت في نفسي : الهتاف طريف ،لكن ما هي أسبابه؟.لم أستطع أن أكتم السؤال الذي جال في رأسي:

– ما سبب هتافكم؟

توارت الابتسامة من وجهه الأسمر النحيف وبان الجد في تلك التضاريس المتعبة

– أردنا أن يلتفت الزعيم لنا

– والتفت لكم؟

– أرسل سائقه لنا ومثلنا أمامه وصافحنا واحدا..واحدا وهو يبتسم وسألنا عن هتافنا الطريف

قلت له:- سيدي في منطقتنا مشكلة لا يحلها سواك.عرفنا أنك ستدعونا ,لذا هتفنا

بكل أريحية قال:- أنا حاضر أعطيكم أذنا لزيارتي في مقري في وزارة الدفاع؟

فهتفنا بصوت جماعي:- لا سيدي.أنت تأتينا الى مقهانا وتشرب الشاي معنا

– أين؟

– في مقهى صرايف الوزيرية

– الساعة الثالثة بعد الظهر..انتظروني

– وجاء؟

– وشرب الشاي معنا .وبكل أخلاص وتفان قال:- قولوا

– سألته ماذا ترى على سدة ناظم باشا العالية ..سيدي؟

– امرأة تحمل على رأسها صفيحة ماء

هتفت :- مشكلتنا سيدي..السدة عالية وقصور الأغنياء بعيدة عن صرايفنا

– بس؟…

– هنا أكثر من الف صريفة من دون حنفية ماء وثمة سلوك لدى أصحاب القصور أضرب صفحا عن ذكره..

مد يده البيضاء لي وقال :- فهمت المراد..أنا آسف..لن تذهب نساؤكم الى أصحاب القصور لجلب الماء بعد اليوم .ستأتي الإسالة إليكم غدا وتنصب وسط  صرايفكم حنفية ماء

– وصدق؟

– منذ الصباح الباكر انتصبت الحنفية بين صرايفنا.وأخذت أمهاتنا وأخواتنا يدعين له بالسلامة وطول العمر

ثم أطرق وبان الحزن في وجهه.قلت له:- لأنه يحب الفقراء ويريد أن يغير حياة الفقراء نحو الأفضل ويجعل ثروات الشعب تحت تصرفهم، ما أغضب الدول الرأسمالية التي تعيش على دماء الشعوب فحرضت عصاباتها المأجورة على التآمر به وقتله فكان قتله وصمة عار في جباههم.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان