رياض النعماني
ما ان تقترب من باب (الجريون) حتى يأخذك بهاء،
وسماحة بياض الفطرة المصرية العالية الى سمرة رواق
هي مجاز الظلال الذي يرفعه (المكان) ..البيت العراقي نحو
خيال يتأجج في فضاء يتشكل في كل لحظة من جديد ..فالحجر للضالعين في العشق روح تشارك الخلق مسرة اللذائذ ، وقوة التصور.
ليس هنا من جماد..
الكل حياة ،
الجدران التي تعلن للزائر ترحيباً، غامراً ترفعه صور الجواهري، وصلاح جاهين، وام كلثوم، ونجيب محفوظ، واحمد فؤاد نجم….ويرفعه ايضا الخشب الذي يوقظ فيك شهوة القراءة، والتموج في تقاسيم الضوء والظل، في وحدة الذهاب نحو صحن (حديقة) الجريون .
و (الجريون) هوية..
هوية الباحث عن عفاف اللذة، واسرار الإخضرار، وهدأة الزاوية – المرتقى التي يأتيها المثقفون والفنانون من كل فج عميق – ومن أقاص بعيدة ليعثروا فيها على تخوم أليفة رسمتها مصر بحداثتها، وانفتاحها، وتنوعها الديني والثقافي، كي يكون للقلب والروح طاقة الشعر في صياغة الحلم، وخلق العالم .
وأنت في اول الرواق نحو نهاية الحديقة (الصحن)، يأخذك غموض نشوة يرتفع فيك جمالها من أخمص قدميك حتى اعالي الورد والياسمين فتكتشف بغتة غنج الشام الصاعق في جميع جهات جسدك، وغربتك الشاهقة .. حتى لتتخيل أن ربوبية وذهب البرق يسيلان على حقول قمح لانهائية .. فيمتلىء المكان بأضواء شفيفة ناعمة، لاتعثر عليها الاَّ في حضرة أصحاب الاحوال والائمة والاؤلياء ، وحرير ليلة الحب النادرة .
وانت في سكر الغبطة هذا تتوجه بكليتك نحو ارتفاع ينابيع النور المنهمر من اعالي فضاء يحرس رجاء الحالمين، وذوي اللب، وعارفي دماثة، وشفافية الكأس في أرجاء الصحن، فيتحول الجميع الى موجة تسبح في زرقة يبتكرها ضوء الروح الكوني العميق .
الجريون .. هوية يحققها نبل السريرة، ولقاء فريد لنهرين عظيمين هما دجلة والنيل، خلقا في الاصل لكي يرفعا مقام الفرح الى مرتبة الالوهة، التي لم تكن الاَّ لكي يتوحد الجسد والروح في غبطة هي المطلق والأبد.
ليس ثمة غربة في هذا الفضاء الذي تشارك نصاعة الخشب والآجر ، والكؤوس في ابداعه، وبعث بزوغه في (راحة الارواح) ” 1 ” التي لاتكون الاَّ هنا… وهنا في الجريون .
(1 ) مقام يتفرع من مقام السيگاه
*… تحية للاستاذ سهيل العاني الذي زرع هذا (العراق) الصغير هنا في القاهرة .





