كتاب الحقيقة

بنيتنا الهشة بين الفرد والدولة

حمزة مصطفى

 

 

على مدى قرن من عمر الدولة العراقية الحديثة مازلنا نترنح بين الفرد والدولة. في اوائل عشرينيات القرن الماضي جئنا بالملك فيصل الأول من الحجاز لكي  يبني لنا دولة. قبيل موته اعترف طبقا لرسالة شهيرة له بعدم تمكنه من انجاز مهمته. كان تبريره « إنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء ميالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتفاض على أي حكومة كانت». 

 لكن هذا الإقرار بالفشل لم يمنع أولاده «غازي» وأحفاده «فيصل الثاني» وأبناء عمومته «الوصي عبد الاله» من المضي في حكم  العراق لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن بعد وفاته. فهم لم يعودوا الى الحجاز لكي يتركونا وحدنا نواجه مصيرناعسى ولعل ان يسعفنا الحظ في بناء دولة بعد معالجة الخلل في البنية المجتمعية والسياسية الهشة. المفارقة أن العهد الموصوف بالملكي لم يرتبط بأذهان العراقيين بالاسرة الهاشمية  في البعد العاطفي بل ارتبط  بتسمية اخرى لها دلالتها الاجتماعية حيث كان يطلق عليه  «عهد نوري السعيد». هذا التبجيل للرجل لم يمنع من سحله في شوارع بغداد بعد ثورة 14 تموز مع إنه كان الأجدر من سواه من ساسة ذلك العهد بحمل تسمية رجل الدولة. وإذا كان نوري السعيد لم يكن هو وراء اختزال حقبة باسمه فإن العهود التي تلته بدءا من العهد الجمهوري الاول تفننت في إطلاق شتى التسميات والاوصاف على قادتها من  « الزعيم الأوحد» الى « القائدالضرورة» الى تعددية تسموية لاحصر  فيما بعد مثل «المجاهد» و «صمام الأمان». 

وبقطع النظر عن التسميات والمسميات فإن الإشكالية التي كانت ومازالت قائمة عندنا تتمثل  في أن عملية بناء الدولة لم ترتبط بهوية المواطنة طيلة كل تلك العهود والفترات  بقدر ما ارتبطت بنمط الحكم «ملكي ـ جمهوري» والحاكم «سني ـ شيعي». وإذا كان الملك فيصل أقر بالفشل ربما لأنه حاكم «مستورد» فإننا طبقا لما رأيناه من تهاوي بناء الدولة الهش أصلا فإنه يحق لنا القول اليوم ان كل السلالة من الحكام الوطنيين ممن تلوا تلك الحقبة فشلوا هم أيضا لكن دون ان يجرؤ أحد منهم على الاعتراف مثلما اعترف فيصل.  فمنذ العهد الجمهوري الاول «1958» وحتى  آخر عهد جمهوري مركزي شمولي»2003» كان يجري تهديم الدولة بإنقلاب رقم واحد محمّلا العهد السابق كل الأوزار والخطايا والموبقات.

بعد العام 2003 عدنا عبر الاحتلال الى مربع ما قبل الدولة برغم بقاء الصفة الجمهورية على الحكم لكن هذه المرة بشكلانية ديمقراطية  كاملة «نظام برلماني وفصل بين السلطات» لكن بمفهوم وصاية من نوع مختلف اسهم ليس في تحطيم الدولة التي كانت قائمة على هشاشة مؤسساتها بل في منع إقامة دولة جديدة على أساس المواطنة. وبالضربة القاضية اجهضت المكونات مع ما جاءت به من مفاهيم وزعامات على ما تبقى من فكرة الدولة بعد أن صار القانون لايعمل الا بموازاة الفصل العشائري. والوزير يتبع زعيم الكتلة لا رئيس الوزراء. والأستاذ يهاب التلميذ لا العكس.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان