عدنان الفضلي
الآثار والحضارات والتاريخ، هذه العوالم الساحرة التي تمنح الباحث عنها نشوة تلق خاصة، فالبحث فيها وعنها تجعل الانسان يشعر انه في رحلة سياحية ممتعة ومفيدة جداً، كما ان العاملين فيها، واقصد الذين يتخصصون في دراستها ليكونوا علماء آثار يحتاجون لجهد كبير ومثابرة وبحث وتدقيق وتدوين وسماع وقراءة، وهذا باعتقادي يعد قاعدة لا تقبل الاستثناء، لكن هذا الاستثناء ظهر أمامي فجأة.
قبل أيام كنت في زيارة لمدينتي الحبيبة الناصرية، التي تعدّ أقدم مدن العالم، وكان بصحبتي عدد من الأصدقاء الذين يسكنون العاصمة، وهم الاستاذ كريم الخزعلي (مدرس انكليزي) وموفق راجي (اذاعي رائد) وفاضل المياحي (ملحن) وابراهيم غلام (ناشط مدني) حيث قرروا مرافقتي للتعرف على معالم الناصرية، وعندما وصلنا المدينة اقترحت عليهم ان آخذهم في رحلة عبر التاريخ، واقصد زيارة المدينة الأثرية السومرية العتيقة المسماة (أور) وقد طلبت من العالم الآثاري، الصديق الاستاذ الدكتور عبد الأمير الحمداني ان يهل لنا اجراءات هذه الزيارة، فرحب الرجل بالفكرة وابدى استعداده لمرافقتنا الى هناك، واتفقنا على ان يكون اليوم الثاني موعداً لرحلتنا، وفي الصباح اتصل بي الحمداني معتذراً عن عدم استطاعته مرافقتنا، لظروف عمله التي استدعت تواجده في مدينة أخرى، لكنه أخبرني ان هناك من سيرافقنا في الرحلة، وهو شخص كفوء وقادر على منحنا كافة المعلومات عن المدينة العتيقة.
في صباح اليوم الثاني انطلقنا انا واصدقائي ومعنا ولدي في الرحلة، وفعلاً وجدنا رجلاً بانتظارنا، كان نحيلاً بملامح سومرية حقيقية، قدم لنا نفسه بانه (ضايف الغزي) موظف في المدينة بصفة (حارس) فارتبكت في البداية كوني توقعت ان يكون باستقبالنا رجل مختص بالآثار كما وعدني صديقي الحمداني، وليس حارس المدينة، لكني كتمت ارتباكي ومضينا مع صاحبنا الغزي، ومع وصولنا الى (الزقورة) انطلق هذا الرجل النحيل بفيض من المعلومات والتواريخ والاسماء جعلتني مبهوتاً، فالرجل كان يشرح لنا بطريقة العارف بكل اسرار هذه المدينة، ثم انتقلنا الى عدة اماكن في المدينة السومرية، فصار حديث الرجل اشبه بالسحر الحلال، حيث شعرت بنشوة غريبة تجتاحني وتجتاح اصدقائي الذين انبهروا تماماً بثقافة هذا الكائن السومري النحيل، بل كانوا مبهوتين بعد ان علموا ان هذا الرجل لا يحمل اية شهادة تخصصية في الآثار، وان تحصيله الدراسي هو (اعدادية صناعة) وكانت اسباب دهشتهم هي كيف ومن اين تحصل هذا الرجل على كل هذه القدرات، ثم ازدادت دهشتنا حين عرفنا انه يتكلم اربع لغات عالمية وبطلاقة. في المساء وبعد عودتنا من الرحلة صادفنا الدكتور عبد الامير الحمداني وشكرناه على تسهيله اجراءات الرحلة العظيمة، واخبرناه بدهشتنا من ثقافة حارس مدينة اور، فقال لا تندهشوا فانا حين اخترته لكم، فقد كان ذلك عن يقين بانه خير من سيبث لكم تفاصيل وتاريخ هذه المدينة، فانا أسميه (كاهن اور) ثم شكى لنا الحمداني ان هذا الرجل ومع كل هذا الوعي والمعرفة بتاريخ المدينة وخدمته للحركة السياحية والآثارية لا يتقاضى سوى راتباً لا يتجاوز المئتي الف دينار فقط..!!.





