كتاب الحقيقة

عندما حلق شهداء (اعريبه) الى السماء تذكرتُ خزعل الماجدي ورايات مدينة الثورة

عدنان الفضلي

 

رغم ان المسافة الزمنية بين كتابة هذه القصيدة، وتفجير يوم امس في (سوق اعريبه) بمدينة الصدر، تمتد لأكثر من عشر سنين، الا اني وحين سماعي ورؤيتي للأرواح الزكية التي حلقت في الانفجار الأرعن، وجدتها ماثلة أمامي، تحكي عن الظلم الكبير والحزن السرمدي لـ (مگاريد الثورة) او (مدينة الصدر) ففي هذه المدينة المبتلاة بكره الساسة لها كونها مدينة ابداع لا يتوقف، يكون الموت ضيفاً يومياً ثقيلاً، حيث يمر بها كل يوم ليقتلع من بستانها زهوراً نضرة، نعم اليوم ومع فاجعة (سوق اعريبه) تذكرت شاعرنا الكبير خزعل الماجدي وقصيدته الخالدة في الذاكرة (رايات مدينة الثورة) فهي القصيدة الوحيدة ومن وجهة نظري الشخصية، التي وصفت واقع مدينة الثورة وناسها بما يستحقون، فاخترتها وبدلاً من كتابة عمودي اليومي لتكون هي غلاف الصفحة الحقيقي لعدد هذا اليوم من جريدتنا (الحقيقة) كونها ستكون اكثر بلاغة مني في ايصال الوجع الذي يشعر به كافة ابناء مدينة الزعيم الخالد خصوصاً وشرفاء العراق عموماً، لذلك اترككم واجواء هذه القصيدة التي استأذن استاذي الشاعر الكبير والباحث المبدع خزعل الماجدي في ان ابثها عبر منظومة صحفية هدفها مشاركة  أهالي مدينة الضيم العراقي وضحايا التفجير الارهابي في (اعريبه) ألمهم  ووجعهم، وانا على يقين ان الماجدي يشاركني وجعي وهمي، كوننا نشترك بعشق هذا العراق الذي يوجعنا فنزداد عشقاً به.

 

 
رايات مدينة الثورة
 
 
خزعل الماجدي
 
كيفَ أخوطُ استكانَ الشاي دونَ ملعقةٍ؟
قالوا لي: بإصبعكَ!
خطتهُ..
ثم أشرت بإصبعي إلى تلك البيوتِ المتراصفة
باللون التبنيِّ.
سمعت فحيحاً يتسللُ لها من عصورِ الظلام
سمعت غراباً يولولُ.. سمعتُ العصافيرَ مقطوعةَ الأجنحةِ
هنا ضاع مرادي!
وهامَ ضباب شبابي !(لو ابتعدتُ قليلاً عن مكمن الفجرِ!)
هنا  نسجت روائحُ الغسقِ نكهتي
توشّحت بالجمرِ الأسود ودخلتُ عصور التَّخفي 
رفُّ أغصانها  يتعقبُ سيري( شفتُ مرقى ليليث وكاهناتها عند الأبواب ).
صحتُ كيف أدوِّن أحلامي إذن (لم يكن معي, وإلى اليوم, غير قلم الرصاص)
كنت أرى بائعات الجمال  يحملن( محملَ الزعيم)
وكان النمنمُ  يتناسلُ على العباءات السود مثل رطانةِ  الذهب والتراب
كنت أنثرُ  تحت أقدامهن  الشموعَ  ولم أشبع حتى هذه اللحظة من جمالهنَّ
الآسر الذي يذبحُ الطيرَ, كنتُ أرى الجنون النادرَ يصعدُ شجرتي 
فلم أعترضه لكي أتركه يستبيح عقلي وجسدي
هناكَ في قطّاع (61) صرتُ شاعراً
وهناك تشفّرت الأبديةُ في داخلي
لم يزل زلزالها في فطورِ جداري (كان الدخان يتصاعد من الأرض ويعلّمني الكتابةَ)
لم تزل حيواناتها الهاربةُ من الأوجار تعدو في أعماقي
كم من التمرِ في هذه التحايا؟  كم من العسل؟
كم من الورد يهطلُ ثمّ يموت ثمّ يخضِّرُ شعراً
أيها الجمال المفزعُ 
مرَّ علينا العراةُ يحيكون  أقمشةَ العزاءِ الأسود
ويضعونها في واجهة كل بيت
يإإلهي..
أيها الجمال المفزع كيف أخذتني ،هكذا ،وانحدرت بخيولي
لم يعد سلّمُ البيت يكفي
لم تعد وردةُ الخوف بين بروج النجوم
مرّ زمانٌ كما الورد فوق الرماد
نهبت دكان أبي مواجعُ النساء الغاويات.
رفعت بريدي إليهنّ
فتقدمت أجسادهن،ّ ساخنةً مدثّرةًً بروائحِ الأرضِِ
استبحنَ كياني وبعثرنَ خرزي.
أيتها الأنهار السريّةُ بين البيوت نغطُّ فيها ونطلعُ
كم سبحنا فيكِ ليلاً وكم حملتنا الأسماك إلى الأغوار
أيها الظلام المترف الحنون.
من فلكة (55) إلى حي الأكراد إلى قطاع( 61) أمشي
وأرى الجحيمَ ألف مرةٍ ولا يخطرُ الفردوسُ سوى مرةٍ واحدةٍ
ثم يتوارى في آباري.
المدينةُ المرحةُ مثل أهلها
تصبغُ، كلّ يومٍ، تاريخَها المزدحمَ بالجمالِ والشظايا
المدينةُ الطافحةُ فوق بحيرةِ الذهبِ تتيبّس قامات أهلها من الجوع 
لم تتوقف قناطرُ( العمّالة), كان الأسطوات يعمِّرون 
أبراجَ الفجائعِ القادمةِ
آباؤنا المهندسون القدامى للحياةِ
تركوا خلفنا نهاراً فسيحاً  عبثنا به بألعابنا وكتبنا 
مرحون أكثر مما يجب
يغنون الأبوذيات
وتخرجُ  من نسلهم, بعنفٍ وشراسة, أجيال البريكية والخوشية
والماركسية والبعثية والصدرية والبدرية والدعوية
وأصحاب الزلوف الطويلة وبنطلونات  الشارلستون
هكذا يتقدمون ، في نهر الوحلِ، لكي يقطفوا زهرةَ الجمالِ الداميةِ
في آخر الماءِ
لا النهرُ ينتهي 
ولا الزهرةُ تتّضح.
وحين كانت تصعد أغاني (عبادي) من البحيرات السفلى
حتى تطفح في أعراس القطّاعات
كنا نرى الطيورَ تخفق في الليل
ولكنني صحت: هذه هي الآلهة القديمة!
لم يصدقني  أحد. 
قالوا: مرقهم أصفرٌ مثل صرائفهم
كانوا يبيعون الصورَ واللبن والمكانس وألعاب الباغةِ.
كان أبي يصيد الزرازير ويبيعها لموائد الأثرياء
المراهقون في فردوس (الثورة) يتجولون بغيتاراتهم المائيةِ
وطبلاتهم الخشبيةِ الصغيرةِ الفم،
وأينما غنّوا وكيفما ولأيٍّ.. فأن صوت (مسعود العمارتلي)
يبقى يبطّن أصواتَهم وتسمعه مثل رنين الليرة
لم يكن معهم سوى الفردوس
أما الجحيم فقد أعاروه لغيرهم لكي يقذفوا منه الحمم
ولكي يفجِّروا أجسادَ أبنائِهم ونسائِهم
الفتاوى الطويلة جداً (مدونات الشيطان) كانت تدور على 
بيوتهم وتصيدهم في أسنانها
عند الطاسة البيضاء تساقط الناسُ
أصبحت طاسةً مثقَّبةً ثم طارت إلى السماء.
كيف عادت الأفاعي إلى فردوسهم؟
خرجت  (الثورة) من (العاصمة) بصرائفها النائحةِ وببقايا المساحي
والأبلامِ التي  ركنها آباؤنا عند شوارع الطين والطابوق
هذا عظم الضاع  يطير فوق المدينة وهذه راياتُ العشائر
وهذه العراجينُ تتقوس في المياه السرّية 
صفُّ إغوائها لايكفّ عن الجذب
وقفتُ أمام (محمل الزعيم) الذي اشترته أمي ورفعت صحون الصيني
وحسبتها, كانت أمامي بضع دقائق لكي أنجو من انفجار
مفخخات أول تموز ولكن….
كيف سأخوطُ استكان الشاي دون أصابعٍ؟

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان