كتاب الحقيقة

الذواّقة الجدد .. وتدنّي الشعر

 رياض الركابي

 

 كنّا نسمع من اساتذتنا ، كيف كان (دراويش الشعر ) يحيطون بالشعراء المبدعين اينما حلواّ ، ويواظبون على حضور المهرجانات الشعريّة التي تقام في محافظاتهم ، ويسافرون قاطعين مئات الكيلومترات لحضور المهرجانات التي تقام في المحافظات الاخرى ، وكان الشعراء يخشونهم  لذائقتهم الخطرة ، ومايتمتّعون به من ثقافةٍ عالية ، لذا كان الشاعر حريصا على القراءة وتنوّعها ، فيقرأ في المسرح و الرواية ، والقصة القصيرة والفن التشكيلي ، والفلسفة والتأريخ ، والسياسة ، مما جعل الشاعر واسع الافق ، ويكتب قصيدته بوعي .

 واتذكّر انه في عام 2000 ، وجّهت سؤالا الى الشاعر الغنائي الكبير حسن الخزاعي ، وقلت له ” ما الذي تفتقده الآن بعد هذه الرحلة الطويلة من الشعر ” فاجابني بعد ان نفث دخّان سيجارته بحسرة طويلة ” افتقد دراويش الشعر ، فقد كانوا يمنحوننا دفقا من الحيوية ” .

 ولأن الزمن تغيّر ، بما يحمله من سمات الثورة الصناعية الكبرى ، والتطور المعلوماتي والتقني الهائل ، ومثلما اصبح للشعر الشعبي خطابه الخاص ، اصبح لدينا عدد كبير من الذواّقة ، يواظبون على حضور المهرجانات الشعريّة ، ولكن هؤلاء الذوّاقة يحضرون وهم متخندقون ، فكل شاعر يأتي بذوّاقته الذين يناصرونه ، ويهتفون مع كل بيت يقرأه ، منتشرين في ارجاء القاعة بعمليّة متّفق عليها مسبقا ، واحيانا يرددون البيت مع الشاعر ، مما يدفع الجمهور الحقيقي الذي حضر على سجيته بدون دعوة للتذمّر، وهو يشاهد الذواّقة كيف يقاطعون الشاعر مطالبين اياه بأعادة ابياتٍ عادية ، لا تستحق التوقّف ، او بسبب المبالغة بالصياح ، او المبالغة السمجة من الشاعر وهو يؤدي حركات الشكر والامتنان لهم .

 وللأسف نجد ان العديد من الشعراء بدأوا بتصديق الكذبة التي حاكوها بأنفسهم ، وتصوّروا انهم اصبحوا كبارا بمنجزهم ، ولكنهم يصدمون حين يحضرون مهرجانا بدون حضور الذواّقة ( خاصّتهم ) ، فتمر قصائدهم مرور الكرام لدى الجمهور الواعي .

 اذن فالذوّاقة هنا بدأوا بالاساءة الى المشهد الشعري ، وساهموا بتدنّيه ، من خلال القاء الضوء على شعراء بسطاء ، ومحاربة شعراء مبدعين حقيقيين ، كونهم لا يرتبطون بعلاقات معهم ، اضافة الى انهم لا يمتلكون وعيا يؤهلهم من تقييم المنجز الشعري ، فغالبيتهم من الشباب الذين تتراوح اعمارهم من اربعة عشر عاما ، الى دون الخامسة والعشرين ، كما ساهم انحسار النقاد الحقيقيين والاكاديميين الى بروز ظاهرتهم ، التي تعد خطرة ، وتهدد عافية القصيدة .

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان