محسن ناصر الكناني
السؤال المهم الذي يطرحه المهتمون بثقافة الاطفال واساتذة علم النفس والتربية والمبدعون هو : هل افلحت الابتكارات والتقنيات الحديثة في زعزعة ذاكرة الطفل وخياله ‘ وهما الاساس الحقيقي لبناء شخصية الطفل ونموه الطبيعي وهل يتعارض خيال العالم مع خيال المبدع في سلوك الطريق ذاته : طريق بناء شخصية الطفل ونموه الطبيعي ؟ ثقافة العولمة الموجهه الى الاطفال اصبحت حقيقة لايمكن ان نسد الابواب بوجهها دخلت الى بيوتنا بقوة الضوء وسحر السمعي والبصري واثارت فينا اسئلة محتمة تخص اطفالنا وقوة وطننا في المستقبل هل نتحول الى (مستهلكين ) لثقافتهم فاتحين ابوابنا وسوقنا لبضائعهم المعلبة ( السمعية والبصرية ) دون ان نتحرك في تقديم البديل الابداعي الذي يضعنا في صف ( المبدعين المنتجين) للقيم الجديدة ؟! هذه المسألة تحتاج الى استراتيجية بعيدة المدى في حقل ثقافة الاطفال استراتيجية تقوم على حقنا في الابداع العلمي والابداع الثقافي والمحافظة على الذاكرة والخيال اللتين وهبتهما الطبيعة للانسان ومن دونهما تحصل الفجوة والشرخ ويسود الاغتراب 0 منذ العام 1921 أي منذ تأسيس الدولة العراقية بعد الحرب العالمية الاولى كان ثمة تجارب جديدة في حقل ثقافة الاطفال وجدت متنفسا ًفي اول المجلات الصادرة عن وزارة التربية مما يعني ان العراقيين قد خاضوا تجربة الكتابة للاطفال شعرا ً ‘ وقصة ‘ وحكاية وكانوا يعتمدون على تجاربهم وامكانياتهم الذاتية وما وفرت لهم الترجمة من الاطلاع على الادب الاجنبي وما وفرت الطباعة من تكنيك جديد لايصال نتاجهم بوسائط حديثة كالجريدة والمجلة ولكن كانت تجربة ادب الاطفال تعيش حالة صراع مع التربية التي عملت على وضعها تحت خان (الاساليب الخطابية والتقريرية ) منطلقة من رؤية تعليمية جافة الى الاطفال رؤية قاصرة فوقية متزمتة لم تاخذ بنظر الاعتبار شخوص الاطفال المستقلة عن الكبار ولم تدرس خصائص الطفولة ومراحلها وميول الاطفال وحاجاتهم الاساسية وخيالهم وذاكرتهم الطبيعية اخلص الى القول ان رؤية منتجي ادب الاطفال في تجاربهم الاولى قد تعاملت مع الوليد الجديد على اساس انه ادب من الدرجة الثانية وليس ثقافة اساسية تخص الاطفال ككيانات مستقلة لها مداركها ومراحل نموها فجاءت النتاجات الاولى (مفبركة ) لم تستطع تحويل النوع الحكائي الى نمط خاص موجه الى الاطفال يبدو لي ان الكاتب انذاك يتحرك تحت عباءة التربية والتعليم ونصائحهما المستمرة وافتقدت الافاق الرحبة وهي نقطة ضعف في التجربة الاولى لأدب الاطفال 0النقلة الاساسية جاءت بعد التزاوج الكبير بين فنون الاطفال وبين ادبهم حصل تلاقح بين السينما والمسرح والرسم والموسيقى والاغنية وبين الشعر والقصة والمقالة واثمرت تحولا ً اصيلا ً للنص وثراء في الموجهات السمعية والبصرية وقد كانت لكشوفات علم النفس والتربية والابداعات العلمية اثرها في اساليب التربية والتعليم وطرائق مخاطبة الاطفال ‘ وجد علماء التربية ان المراحل الاولى من حياة الطفل المحطات الاساية الاولى لثراء خيال الطفل فلجأوا الى الموجهات البصرية والسمعية والرسوم والصور وقدرة افلام الكارتون والدمى والموسيقى في بناء شخصية الاطفال ابداعيا ً ‘ في مرحلة ما قبل المدرسة ‘ ان هذه المرحلة تحدد الى حد كبير مستقبل الطفل فهي تمثل له خزينا ً معرفيا ً لاينضب وهي بلا شك ستحفزه على اجتياز عالمه بنجاح وتتيح تنمية مدركاته ومجساته والاقبال على القراءة بيسر وهذا يتم بتوجيه المربي(المعلم) والام لتحبيب الطفل لعملية القراءة والانغماس في عوالمها الرحبة اذن هل يمتلك ادب الاطفال في بلادنا هذه القدرة على بناء شخصية الطفل نفسيا ً وثقافيا ً وتوسيع خياله بأتجاه افاق جديدة رحبة ؟





