كتاب الحقيقة

على الجمهور أن يصغي حين يغرد الكاطع

رياض الركابي

 

 

 في صيف عام 2000 ، كنت ضمن المدعوين لمهرجان شعري اقيم في مدينة الديوانية ، وشارك فيه مجموعة كبيرة ومهمة من شعراء العراق ، شبابا وروادا ، وكان ضمن المشاركين الشاعر الراحل الكبير كاظم اسماعيل الكاطع ، واقيمت احدى الجلسات على قاعة كلية من كليات جامعة الديوانية ، لذا كان غالبية الحضور من الطلبة ، ولم يكن هناك سوى عدد بسيط من جمهور الشعر لايتعدى اصابع اليدين ، كنت انتظر صعود الكاطع لالقاء قصيدته ، وقد سبقته مجموعة من الشعراء ، وكسبوا تعاطف الطلبة ، وحصدوا تصفيقهم ، بسبب الهتافيات والقصائد المباشرة ، ثم حان دور الكاطع الذي اعتلى خشبة المسرح بهدوئه وعدم تصنّعه ، وكأن القاعة خالية من الجمهور ، ووقف امام المنصة ، والقى قصيدته و لم ينتظر ان يصفق له احد .. كنت اشعر ان جسدي يرتجف وهو يقرأ .. ” امي من الزغر .. تنگل حطب للنار ، ويفوّر جدرها ومدري شتركّب ” كان الجمهور في واد ، والكاطع في واد آخر ، ثم انهى الكاطع معلّقته ونزل بهدوئه ، ولم يلتفت اليه احد ، لا ادري لحظتها لماذا انتابتني رغبة بالبكاء، ربما شعرت بالحيف على القصيدة الكبيرة التي التهمت كل ما قلناه يومها من قصائد، او ربما حزنا على قامة الگاطع التي عجز عن رؤيتها الجمهور من الطلبة والذين حضروا كما يبدو مجبرين، ولعلهم كانوا يفضّلون ساعتها التسكّع مع زميلاتهم في ممرات الكلية، وتساءلت.. لحظتها مع نفسي.. هل هذا الجمهور يوازي جمهور جامعة بغداد.. الذي كان يحتضن الحلقات الشعرية للبياتي ، والنواب ، والسياب ، ولميعة عباس عمارة ، وكانت المهرجانات الشعرية، تتحوّل الى كرنفالات كبيرة، مثلما حظيت قصيدة (انا وليلى) للمرواني، وتحوّلت الى منشور يتداوله العشّاق لعقود من السنين.

الكثيرون من الشعراء كانوا يقولون إن الگاطع لايجيد القاء قصائده، وكانت هذه تهمة جاهزة للنيل منه، رغم ان الگاطع لم يكن مجبرا على التمثيل بالالقاء كما يعمد البعض ، ولا الى الصراخ كما يفعل بعضهم الآخر ، بل كان بحاجة الى جمهور حقيقي يسمع ما يقول، يحتاج الى جمهور لايثرثر ، او يقاطع الشاعر بأحاديث جانبية، نحن بحاجة الى جمهور يصغي.. كجمهور حفلات الموسيقى العالمية، الذين يقف على رأسهم الطير، ولكن جمهور الشعر عندنا يحيل القاعة الى فوضى عارمة ، فيصرخ فيها اكثر من الشاعر نفسه..   

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان