علي علي
بالأمس كانت افتتاحية الزميل والأخ الكبير رئيس تحرير صحيفتنا فالح حسون الدراجي، عن أم مقاتل وشهيد في محافظة ميسان، والتي شاهد لها مقطعا فديويا، ووصف بحرقة بالغة معاناتها ووجعها المزدوجين، بل هما مضاعفان أضعافا كثيرة، إذ راح أستاذنا الدراجي -بقلبه الرقيق- يشكو عيشتها الضنكا وظرفها المعيشي الصعب، علاوة على ماتعانيه من آلام فقدها ولدها الذي انضم الى أحد فصائل الحشد الشعبي في إحدى المعارك الأخيرة -وما أكثرها في عراقنا-. وكدأبه، فقد أطنب في وصف حالها وصفا يفتق جروحا نازفة لاينقطع نزيفها ولايتوقف عندها، إذ هناك في مدننا ولاسيما الجنوبية منها أمهات كثيرات ثكلن بأولادهن، دون أن يطيب خواطرهن موقف من الحكومات، مع أن الأخيرات هي السبب فيما حدث لفلذات أكبادهن. وبين اليأس المطبق على حاضرنا المتردي، وانقطاع الأمل بمستقبل تأتي فيه الحكومة بجديد، يضيع دم الشهيد وتُميع حقوقه ومستحقات عائلته، فينحسر مصير أمهات الشهداء بين بيوت الصفيح وهبوب الريح، وشظف العيش وبؤس الحال، مع انعدام المعيل وحاجة العيال، وسط مجتمع يعج بالمنابر ومتحدثيها، وبرجال دين ينعبون في كل نادٍ، وينعقون في كل وادٍ، ويتلون ماتيسر لهم من السور والآيات والأحاديث والعظات، التي تنادي بالتكافل الاجتماعي ونصرة الفقير والرفق بالقوارير، وفي الحقيقة والواقع.. لاجير ولابسامير. وما يزيد على الصورة المأساوية مآسي أكثر إيلاما بالنفس، هو أن الدم العبيط الطاهر الذي يسفك في أرض الفلوجة، لايستحق كثيرون من أهلها قطرة منه، بعد أن سجلوا مواقف مشينة في السنوات الأخيرة، لاتمت بصلة الى الشرف والغيرة والمرجلة، كذلك هي تنأى عن الوطنية والانتماء والولاء لأي عرف او تقليد، سوى عرف البغاء وتقاليد (ابو رغال).
ولو عدنا بذاكرتنا الى سني الثمانينيات، سني الحرب العراقية الإيرانية، فإننا ملزمون بقول حقيقة لامناص لنا من الإقرار بها، فرغم طيش صدام وعنجيهة نظامه ودمويته، فإنه عرف كيف يموه عن بعض مساوئه ببضعة إجراءات وسياقات، كانت -بصرف النظر عن قصده منها- منصفة أمام الرأي العام وعادلة بعين فئات مجتمعية عديدة. فقد كانت للشهيد في تلك الحرب حقوق وامتيازات يتمتع بها ذووه وورثته، وكانوا ملزمين باستلامها. فصدام إذن، بقراراته المرحلية تلك كان قد ذر الرماد في العيون، رغم أن نيته سيئة ومأربه لم يكن أكثر من كسب سمعة تسبغ عليه شرفا، في حين هو بعيد عن الشرف بعد الثرى عن الثريا. فيا أخي الكبير واستاذي وزميلي وصديقي ورفيقي في درب العناء درب العراقيين جميعا.. أقول مادام حكامنا سائرين في طريق الأنا والذات، ولا يأبهون بحال المواطن فيما يصيبه من ضيم وظلم، وماداموا ينتهجون منهج (كلمن يحود النار لگرصته)، وماداموا لايستحون من إبداء ما يسوء من تصرفات تلقي بظلالها الوخيمة على أبناء البلد، ومادامت الـ (شيلة) ترمى في وجوههم من دون أن تحرك أحاسيسهم ورجولتهم، وماداموا يلهثون وراء المنصب والجاه والسلطة، ومادام لعابهم يسيل أمام الدولار، فما المرتجى منهم؟ وما الذي يجودون به لخير هذا البلد؟ مع أن واجبهم يحتم عليهم خدمة المواطنين. لكن العزاء الوحيد الذي نواسي به أنفسنا، هو أننا أبناء هذا البلد نفوق على ساستنا بإحساسنا تجاهه، ونعلو عليهم مرات ومرات بشعورنا بالانتماء لأرضه، ونذود عنها، سواء أكانت الفلوجة أم بغداد أم البصرة أم الموصل أم أربيل! فيما هم ينطبق عليهم قول الشاعر:
نحن انتمينا الى تاريخنا بدم
وآخرون على تاريخهم بصقوا
aliali6212g@gmail.com





