كتاب الحقيقة

لنقد النزيه .. من ضرورات تقدم الأدب

وسام قصي

 

 

لم يعرف أدبنا في قديمه البعيد والقريب، محناً ومشكلات كالتي عرفها اليوم.

ولعل الحكم بصورة حاسمة لا يتأتى واعياً ودقيقاً إلا لمن عاين هذا الأدب وعاش خطوبه وأطواره، فنحن حين نعيش أدبنا القديم في الكتب والتراث، ونتمثل حياة كاتبيه ومعاصريه .. لا نستطيع مهما أوتينا من دقة الوعي أن نعرفه معرفة أهله وزمنه، فحسبنا اليوم ونحن نعاين أدبنا المعاصر، ونشارك فيه، أن نعرفه على سجيته وحقيقته .

ما أشبه أدبنا اليوم على اختلاف أشكاله وألوانه بحديقة وارفة واسعة فيها الزهر والعطر والثمر، وفيها الشوك والعليق .. لكنها ليست بمتصوّنة ولا منسقة، ولا فيها نواطير وخفراء لصد العابرين والعابثين بالمغارس والثمار، ولو طلب الي تفسير هذا التشبيه لقلت أن ادبنا اليوم بشعره ونثره وشتى ألوانه القصصية والمسرحية يترامى بعضه على بعض دون أن يتناوله تقويم أو تسديد، فلا يقوم انتاجه ميزان للنقد السليم، ولا تتفرغ لهذا النقد والتمحيص أقلام متمرسة متجردة لموضوعه وهدفه.

ولا تثريب على هذا الأدب المضطرب، فقد تجاذبه تيار من الشرق وإعصار من الغرب، وتقاذفته منازع نفسية واجتماعية، وأصابته من أهله ومدعيه محنا كثيرة.

وما شاعت كلمة حوله أو من أجله إلا كانت مدار تحاور وجدل في الصحف والندوات والمواقع الالكترونية .. فما أكثر ما تسلل إلى هذا الأدب من كلمات مذهبية معاصرة، يؤول مشاربها كلّ أناس حسب مشاربهم وأهوائهم، ويلقون عليه معاني لم تخلق له أو هي فيه، وهم في غفلة عنها .. فهناك الواقعية، والرومانتيكية، والالتزام، والسوريالية، والايديولوجية، وغيرها.

و لغتنا مندوحة عن ترديد الأعجميات والعاميات التي يرتطن بها الضعفاء والمتحذلقون.

وعلى أن أدبنا المعاصر، منذ ان أخذ بأسباب التطور والتمازج بغيره، كان النقد مقوماً له ودليلاً عليه.

لقد تصدت له الأقلام المتمكنة بالتوجيه والتبصير في كلّ هبّة من هباته، فكشف عن جوهره وأصالته، وأشارت إلى ما طرأ عليه في بنائه وموضوعه، بلّ كان لهذه الأقلام ما يشبه المعارك في حملتها على الجمود والتقليد، وفي ثوراتها على القيم الأدبية الماثلة في موضوعات تأباها روح العصر .. فما كان يظهر كتاب جديد حتى يتلقاه الناقد  المجدد بحفاوة وعناية، وتفتح له الصحف والمجلات والمواقع أبوابها بمقال أو مقالات في الكتاب تبين ما فيه من جديد ورديء، وقد تهب رياح المعركة بين المتربصين والمسايرين المؤيدين، ربما طال الجدل والنقاش حول الكتاب بحسب فكرته وقيمته، فيفيد القارئ من تمحيص الموضوع ومساجلة الآراء .. ولو ندت عن السداد، إذ قد يكون فيها ومضات روعة وإبداع فكان من جراء هذا الأخذ  والعطاء في النقد نضال فكري طويل ترك أثراً عميقاً في أدبنا المعاصر، حرره من زخرف القول و ابتذال المعنى وسطحيته، فاتسعت آفاقه وتمازجت ثقافته العربية بثقافة الغرب حتى غدت العناية بموضوعه ومحتواه تفوق العناية بأسلوبه ومبناه.

وقد عُرف نقاد هذا الأدب  ببطولة الفكر والطموح، فهبوا على قلّتهم إلى شق الطريق  في الإصلاح والتجديد، وكان النقد الأدبي لديهم واجباً  وطنياً وقومياً وإنسانياً يؤدونه بشجاعة وايمان غير عابئين بما يصيبهم من كيد المتعنتين والخصوم.

ولولا هؤلاء النقاد الذين سبقوا الزمن بالوعي والمواهب  وبعثوا في الحياة  العقلية روحاً جديداً، لم تألفه العربية من قبل .. لطال جمود الأدب ووقوفه عند القديم.

كذلك كان النقد السابق يقوم بدوره في حركات الانبعاث والتطور، ثم ترادفت خطوب وظروف اشتبكت فيها المذاهب الإجتماعية والفكرية، وقد تأثر النقد بما لابس الأدب وما طرأ عليه من أحداث وهزات، فكان تبعاً لها ومستجيباً لمفاهيمها .. حتى زهد أكثر النقاد فيما كانوا بسبيله، فانصرف بعضهم إلى الكتابة والتأليف في السيرة والقصة والدراسة  الأدبية والمذكرات، دون انقطاع عما كانت تتناول أقلامهم  في التقويم والتعريف ببعض الكتب من حين إلى حين.

ومثل هؤلاء صنع كبار النقاد في الغرب لما تقدمت بهم السنون وازدحمت عندهم المتاعب والأشغال .. فانصرفوا إلى الإنتاج في لون من ألوان الأدب أجادوه واتقنوه.

وعلى ترادف الأيام، تطور النقد ومدلوله في أدبنا المعاصر، ودخلت في آفاقه مذاهب الفلسفة والجمال، واقتحمت عالمه أقلام جديدة .. ولكن لم يتفرغ للقيام بأعبائه وتبعاته إلا القليل ممن يثق بأحكامهم المثقفون.

والصحف التي كانت تعنى بشؤون النقد الأدبي تروز الانتاج برصانة وحرية.. اصبحت لا تضيق إلا به إلا اذا كان فيه رواج أو إثارة، فإذا أرادت الكلام على كتاب من الكتب  اكتفت بالإشارة العابرة .

وبعد أن كانت الشكاية تردد لقلة الإنتاج والتأليف، تحولت هذه الشكاية من كثرته واضطرابه وأقله القيّم وأكثره التافه، وضج تعجل المبتدئين بمزاعم الإهمال ففسح لهم عهد التشجيع  والتكريم للمواهب والعبقريات مجالاً للتنافس  والظهور بما يدل على آدابهم وآثارهم، ولعل في بعض ما كتبوا متعجلين تباشير نبوغ  .. لكن سوق الأدب المعاصر تخلو من هذا التزاحم  والتوثب من النقد السليم .. ولا ينبغي أن تخدع وعي القراء هذه المقالات والضجات التي تهب رياحها بين آونة  وآونة من أجل كتاب مرتجل أو أدب موهوم، فإن ضروب الدعاية التي تروج الإنتاج الزائف قد تشبه إلى حدّ بعيد ما يتناول تلك الآثار الفكرية والفنية .. إن صح التسامح بأنها  فيها فناً وفكراً.

إن سوق الأدب المعاصر التي تمتلئ بالبضاعة المنوعة تحتاج إلى من يقومها ويقدرها، ويتخير منها الجيد المفيد، ويفرز التافه؛ ليكون لكل متاع مكان وراغب.

في الوقت الحاضر اشتدت الحاجة إلى الناقد المتفرغ، الذي أصبح وجوده في وقتنا ضرورة  منتظرة .. على إنّ مجلة شهرية مختصة بالنقد الموضوعي وما يدور حوله، أو كتاباً دورياً بحياة الأدب والنقد، أو موقعاً اليكترونياً مختصاً، يتتبع الإنتاج على اختلاف ألوانه وأفانينه بالتقويم والتقديم بتجرد بعيد عن نفوذ الوظيفة والصحافة .. لما يخفف المحن الأدبية ويبصر الجيل والجمهور بحقيقة الأدب والأدباء، ويخفف المواهب بوعي المسؤول وإخلاص الناقد لموضوعه ورسالته.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان