وسام قصي
تتيح الكتابة بكافة أشكالها المختلفة الفرصة أمام الكاتب أن يعبّر عن ما بداخله ضمن وسائل تعبيرية ذات وظائف نفسية مفيدة.
إن ما يميز الكتّاب سواء كانوا صحفيين أم شعراء أم قصاصين أم روائيين، أنّ قدراتهم متميزة ومتفوقة عن الآخرين في المجال اللغوي، كما إنّ قدراتهم على إعادة تشكيل الكلمات وتطويعها بشكل يفوق قدرات الإنسان العادي.
الكتاب المبدعون يجدون أنفسهم في حالة تفاعل وتأثر بموضوع معين، مما يخلق توتراً خاصاً يستدعي صياغة الكلمات التي تمتثل في ذهنهم أو ألسنتهم أو أقلامهم وتلح على الظهور بشكل تلقائي .. ومن ثم يمكن للكتّاب أن يراجعوا كلماتهم أو يعدلوا فيها.
وهكذا فإن حالة التوتر الإبداعي وما يرافقها من إبداع تتحكم فيها عوامل لاشعورية بشكل أساسي، ويأتي دور التفكير والمراقبة والوعي مكملاً ومتابعاً وموجهاً للدفقة اللغوية والأدبية، والتي تتضمن في بنيتها مزيجاً من الإنفعالات والصور الذهنية والأفكار التي تتفاعل في شخصية الكاتب وفي أعصابه وتكوينه.
إنّ الأدب بفرعيه (السرد والشعر)، هما من ضمن الحقول التي شملتها جائزة الإبداع لعام 2016 ، وخصوصاً بعد أن عدّ كثير من الأدباء بغداد مدينة للرواية، ومن أبرزهم الكاتب والروائي المشهور وارد بدر سالم، وهي دعوة إلى كلّ الأدباء أن يقدموا أعمالاً رصينة ترتقي بالمنجز الإبداعي العراقي في ظل المناخ الأدبي السائد، وبحسب وزير الثقافة فرياد رواندزي، فإنه وجه بضرورة الاطلاع على جميع ما طرح بشأن الجائزة من آراء في وسائل الإعلام والأخذ بما هو مفيد وممكن، لتجاوز الأخطاء التي رافقت عمل الدورة الأولى لعام 2015، مؤكداً ضرورة الانفتاح على جميع الآراء التي تطرح لغرض الارتقاء بالجائزة نحو الأفضل وتصحيح الأخطاء التي رافقت الدورة الأولى سواء في عمل اللجان أو في حفل توزيع الجوائز.
إننا نعيش في زمن أصبح فيه الأدب الرفيع مغيبا للأسف، والذي يلمع هو الأدب الركيك لغةً ومحتوىً وفكرةً .. وأصبحت الذائقة العامة ضحية لهرطقات بالية.
لقد أصبحت أسرع طريقة للشهرة هي من خلال الكتابات الهابطة؛ لأنها تنتقل بصاحبها بسرعةٍ تفوق سرعة البرق أحياناً .. من عالم (المجاهيل) إلى عالم المشهورين والمبدعين والمثقفين، وبذلك فعلينا أن لا نستغرب إذا شاهدنا وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة تتسابق لأخذ تصريحٍ من كاتب أو شاعر أو قاصٍ … كلّ بضاعته تتضمن كلاماً مقززاً، ولهذا من أراد الشهرة وسعى لها سعيها فليعلم أن الأمر لا يكلفه سوى مقال أو قصة أو قصيدة أو رواية ضمن السياق الذي سبق ذكره.
إنّ اللغة (المقززة) هي قاسمٌ مشترك بين كتاب الأدب الهابط، فمن اعتاد العيش في الأجواء الملوثة الفاسدة، لا يستطيع أن ينطلق في قلمه إلا من بيئته التي تحيط به، أي اجتثاث الفكر البالي بمطارق الفسوق الذي جاء به بين دفتي مخطوطه وإن شئت فقل ملقوطة.
نأسف وبشدة ونحزن على هذا النوع من الأَدب والكتابات الهابطة التي تلاقي مقبولية عندما يقفون وراءَها، ويكثرون من المدح والنفخ الزائدين؛ ونعتب على الذين يروِّجون لمثل ذلك الأَدب في مجلاتهم وصحفهم ومواقعهم…
إنّ الأدب الهابط ليس سمة عصرية حديثة الظهور، لكنه تعايش بشكل أو بآخر مع الأدب الراقي، في العصور كلها، على نحو ما، كل ما في الأمر أن “الإنترنت” يمنح الهابط فسحة أكبر للظهور، وبالمقابل يمنح الجيد أيضاً فرصة للمزيد من الانتشار، وكل أداة يخترعها الإنسان، يمكن أن تكون وسيلة لنشر العطاء أو الهراء.
نلتمس من كل المعنيين بالتدخل لمنع مثل هذه الكتابات، ليس لأنها تنتهج أساليب تعبير جديدة، بل لأنها نابعة من ضحالة فكرية وثقافة سطحية تهدم ولا تضيف شيئا، ومما يستوجب منعها أن يقفوا وقفة جادة أمام هذه الثقافة الهزيلة لمنع ما لا يصلح نشره من أفكار هشة وأساليب ركيكة، وأدب رديء ينطلق من اللهجة العامية، وكتابة سوقية تحارب وجود الفصحى، لشعب يعيش طقوساً من الرغبة في خلق اللاموجود ثقافياً وإبداعياً بالمادة، وبالمجاملة، بثقافة هزيلة لا تبحث عن أساسيات الثقافة، وتأصيل الأشياء على ركائز معينة، بعيداً عن تعقيدات اللغة الفصحى، المرتبطة بالذاكرة الجمعية.
إذا أردنا التغيير، علينا استيعاب هذه الثقافة، لنغيرها ليس عبر الهجوم والتصادم، بل عبر الحوار ونشر الوعي بأهمية البحث عن الذات الثقافية العربية الأصلية، مع عدم الانغلاق على الذات ورفض الجميل والأصيل من كل ثقافة.
وأختتم بمقترح الدكتور وليد صالح الخليفة رئيس قسم الدراسات العربية والإسلامية في جامعة اوتونوما بمدريد، أن تقوم الجهات المعنيّة بإيجاد جائزة لأردأ نصّ أدبي لكلّ الأجناس الأدبية، وبالتأكيد انّه لو تمّ إيجاد مثل هذه الجوائز، لتردّد الكثير من الكتّاب المزعومين في نشر نصوصهم، أو أنهم على الأقل راجعوا مراراً ما كتبوه وفكروا مليّا في ما يمكن أن تؤول إليه كتاباتهم تلك، ولساعد ذلك على رفع المستوى العام لأدبنا ولأنقذ الكثير من القرّاء من تضييع أوقاتهم في قراءة كلام بعيد عن الأدب بُعد الثّرى عن الثريّا.





