علي علي
في مثل هذا الصباح قبل ثمانية وخمسين عاما، عرف العراقيون إنسانا لم يألفوا مثله من قبل، بعد أن عاشوا قرونا تحت نير احتلالات وحروب وحصارات و (سقوط) أكثر من مرة. كان هذا الإنسان هو عبد الكريم قاسم، حيث اعتلى المركز الأول والأعلى في قيادة العراق وحكمه. ورغم مرور عقود على غيابه مازال العراقيون يكنون له الحب في سرهم وعلنهم بشكل منقطع النظير. ورب سائل يسأل عن السر الذي يجعل عشق العراقيين مازال قائما لشخصية رحلت الى بارئها منذ أكثر من نصف قرن. ورب سائل آخر يثير بسؤاله عن تلك الشخصية أسئلة أخرى تحتاج الإجابة عنها الى صراحة وجرأة وواقعية. والإجابة عن الأسئلة جميعها يتطلب معرفة تلك الشخصية ودورها في الحياة.
لم يكن هذا الإنسان مختلفا عن باقي البشر من معيته في حياته العامة والخاصة والمهنية، فإن أردت القول بنزاهته قد يستوقفني أحدهم ويقول أن هناك من هو نزيه مثله آنذاك -واليوم كذلك- وإن أردت الإشادة بوطنيته، يستوقفني آخر بالإشارة الى نخبة من الوطنيين يزخر بهم تاريخ العراق الحديث والمعاصر والقديم. أما لو تحدثت عن سلوكياته وطبائعه وشمائله وخصاله، فسأستوقف نفسي بنفسي، ذلك أن مجتمعنا العراقي شهد له التاريخ ويشهد عن كم الشخصيات التي تتحلى بالصفات الحميدة،. إذ بادئ أي متحدث عن الشخصيات المميزة التي وطئت أقدامها العراق سيكون حتما الإمام علي (ع). والحديث عنه لاتحتويه مقالات ولاكتب ولامجلدات. والى يومنا هذا مازالت أمهات العراق ولادات لعراقيين باتوا مضرب الأمثال في الخصال السامية والحميدة في كل البلدان.
كذلك تندرج في صفحة الشخصيات المميزة صور مشرقة جميلة أخرى, لرجالات اعتلوا كرسي السلطة، وتسنموا مهام أعمالهم، ووضعوا أمام حدقات عيونهم مصلحة البلاد والعباد، وعدّوها رسالة مقدسة أوجبوا على أنفسهم تأديتها بكل أمانة وإخلاص.
لكن الحديث عن الـ (زعيم) يأخذ شكلا آخر، فمن حيث التوقيت، أصبح هذا الرجل هو الرجل الأول في الدولة العراقية، في منتصف قرن شهد نصفه الأول حربين عالميتين طال شررها العراق. كما انه صعد منصة حكم صنعها بنفسه، ولم تأتِه بها حكومة بريطانية او أمريكية. كما جاء في وقت لم يمضِ على العراقيين سوى أربعين عاما من تحررهم من احتلال العثمانيين، وانضوائهم تحت العلم البريطاني بمسمى الملكية، على الرغم من سعي شخصيات وطنية للانسلاخ من سطوة بريطانيا على العراق آنذاك.
أما من حيث السيرة؛ فالزعيم كان معروفا من القاصي والداني، بما لايقبل الشك عن ولائه التام والمطلق للعراق والعراقيين، ولم تدخل بحساباته يوما عائدية المواطن العراقي الدينية والطائفية والقومية والعرقية والعشائرية، كما لم يستل سيفه ضد من انتمى لفئة او حزب مادام في خدمة العراق. ولم يحمل قلبه ضغائن وأحقادا حتى لمن حاربوه وحاولوا قتله، بل على العكس فقد رفع شعار: عفا الله عما سلف.
أما المهنية؛ فحسبنا في تحليه بها ما أنشئ في مدة حكمه -القصيرة جدا- من عمران وبناء وإسكان وتخطيط سليم، مازالت معالمه شاخصة امامنا، ومازال العراقيون يتفيأون بظلال إنجازاته على الأصعدة النفطية والزراعية والصناعية والاجتماعية والتربوية والصحية.
أفبعد هذا كله يبقى عشق العراقيين للزعيم سرا؟! وهل يحذو حذوه ساسة حاضرنا وينتهجون نهجه، كي يعشقهم العراقيون مثل ما عشقوه؟ ليتهم يكونون مثله..!
aliali6212g@gmail.com





