علي علي
عادة مايكون الغد مجهولا، ومادام هذا حاله فالكلام عن أحداثه يُعدّ رجما بالغيب، ويدخل تأكيد ماسيحدث فيه باب عدم الإيمان بمشيئة الخالق جلت قدرته، كما ورد في القرآن الكريم: “وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ”. فمشيئة الله في المستقبل هي التي تحدد ما سيتم من الأعمال التي ينوي أحدنا إنجازها، ومن المؤكد ان هذا كله ضمن صالح الأعمال لاطالحها. ولساننا العربي له من المفردات مايحدد وقوع زمن الفعل. فهناك (سين وسوف) التي أطلق عليهما النحاة (المستقبليتان) تتكفلان مهمة تحديد الزمن الذي ينوي المتكلم القيام فيه بفعله، فقولنا: (سأقرأ، سوف أقرأ) تدل على ان زمن فعل القراءة مستقبلي سواء أكان قريبا أم بعيدا!. ومن شروط هاتين الأداتين أنهما لاتدخلان إلا على الجمل المثبتة اي التي ستحدث بالفعل، إذ من الخطأ القول: سوف لن أقرأ.
ماتقدم من سطور ليس درسا في اللغة العربية، هو في حقيقة الأمر درس انساني استنبطته من سالف الأيام، وتحديدا سنوات تولي حكم العراق ساسة يدعون الديمقراطية، بعد أن أزيح حكم الدكتاتورية، إذ آل أمر البلد اليهم من حيث يدرون ولايدرون، او يشعرون ولايشعرون، وسواء يستحقون أم لايستحقون! فإن كرسي التسلط قد تملكوه وجلسوا عليه وتنفسوا الصعداء، ولكن، وللأسف الشديد ان أنفاس من سيّدوهم وأوصلوهم الى مناصبهم قد ضاق الخناق عليها، ومافتئ يضيق يوما بعد يوم، فيما أصحاب الكراسي في غيهم يعمهون.
وبعودة الى سين وسوف المستقبليتين، فإن على الناطق بهما شروطا وقيودا وواجبات، إذ أنه ملزم بالصدق في موضعين؛ الأول الصدق في الكلام، والثاني الصدق في الأفعال، أما الأول فلسانه كفيل به، وأما الثاني فيعود الى ذاته ونيته وغايته و (مرضعه). وما أحوجنا نحن العراقيين الى تحقيق الصدق الثاني، لاسيما والعراق اليوم يشهد تحضيرات لماراثون الإصلاح كما يدعي المصلحون، وقد اختلط مفهوم الإصلاح بين صالح الأقوال وطالح الأفعال، وما انفكت فيه أصوات تنادي وحناجر تطلق الوعود والآمال على مصارع أبواب القادم من الأيام، ولعلها كسابقاتها تنأى عن صيرورة الوعود البراقة واقعا يلمسه المواطن في يومياته، وحقيقة يمارسها في حيثيات حياته.
لا أحد ينكر ان الوعي الجماهيري لدى العراقيين قد تبلور في السنوات الثلاثة عشر الماضية الى دقة في الحدس وسرعة في البديهة، وأظن مدة كهذه كافية لصنع فكر متقدم قادر على التحليل الصائب والتأويل السليم، والذي من المفترض ان يتحلى به المواطن العراقي، بعد أن صقلت المصاعب خبرته مع من يقوده من ساسته في الحكم، كما أن ثلاث تجارب انتخابية كفيلة بصنع ناخب حذق، محصن بقوة فراسة تمكنه من انتقاء الشخص الأنسب في حكمه، من دون أن تخدعه عبارات رنانة مزخرفة بزخارف الـ (سين) والـ (سوف). المطلوب من العراقي اليوم ان يضع نصب عينيه كنه الشخص المنادي بالإصلاح، ويقلّب ماضيه وحاضره ذات اليمين وذات الشمال ليضمن ما يتمخض عنه مستقبله، وما تأتي به يداه من نتائج، كي لاتتكرر الأخطاء ثانية وتستحيل بعد ذلك الى خطايا لايمكن تفاديها.
aliali6212g@gmail.com





