كتاب الحقيقة

إلى متى ؟

 غرام الربيعي 

 

 

كثير من الظواهر السلوكية الخاطئة ظهرت بشدة على سطح الحياة العراقية العامة لاسيما في الأوساط الممثلة للثقافة حتى صارت سياقات عادية وغير مشينة ، وطرق التداول الكلامي بين الأفراد لتشيع مسميات وألفاظ لم تكن في قاموس العراقيين من قبل واليوم صارت مزاحاً مقبولاً وطبيعيا ،فتعدى ذلك الكلام العلاقات العائلية والأصدقاء حتى باتت لغة التواصل الاجتماعي وصولاً الى خطابات الاعلاميين و الساسة والمسؤلين .

ألفاظ و تعابير ووصوفات وتشبيهات لا سلطان لها ولا تمت للغتنا بصلة ولا لتربيتنا ونشأتنا الاجتماعية بتبرير.

حين تتحول الجراح والمصائب في خانة (شرّالبلية مايُضحك ) ولمراراتنا المتكررة صرنا نقبل ذلك ويستدرجنا الحال أن تكون ظاهرة حياتية سائدة وأسلوب تعامل يومي لا يحرّك غيض متحدث أو مثقف وكأننا سلّمنا للأمر تحت يافطة الأمر كلّه سيء (شلع قلع ) وضمن قواميس الظاهرة التي هيمنت على شاكلة وتشكيل صورة الحياة العامة والتي غايتنا منها وبها أن نعيش متحضرين سعداء منتجين إنسانياً   . هذا يضعنا تحت تساؤلات كثيرة ومهمة : ألى متى وكيف ولماذا وإلى أين ؟؟؟

إلى متى سنبقى نراوح في أمكنة الحزن والسلبيات والتراجع والشعور بالغبن والإحباط والفشل والخذلان والذم والضغينة والسب والشتم والمزاج الخارج عن حدود الأدب واللياقة وغيرها ،في الوقت الذي نحلم ونطالب ونسعى إلى عالم آخر هو ما تهواه الروح وترنو إليه الذات واشباعاً لرغبات النفس البشرية المشروعة بحياة يسموه عليها  الاحترام والحب والأمل والعمل والجمال والنظافة ،بالتأكيد سيتصور البعض أنني أتكلم برومانسية حالمة وجو وردي بعالم تشوبه الخرابات والخسائر والدمار ، معكم أكيد لأن استمرار الحياة بطريقة التذمر والإحباط  دون البحث عن بدائل تنتشلنا من موت حقيقي للروح  أصعب من موت الجسد . وبعض ردود فعلنا على ما يحدث حولنا من تشاؤم يجعلنا نفكر بالرحيل إلى المنافي أو حتى الرحيل المؤقت بحجة سفر سياحي ،فأما نفشل بتحقيق الصدفة من الرحيل أو نعود محبطين أكثر من السفر السياحي  ومحملين  بالمقارنات والتأسف والحزن على حياتنا هنا بكل حقيقتها وما نفعله كردة فعلٍ لها ،متجاهلين أو متغافلين عن أننا مسؤولون جميعاً بصياغة شكلها ونمطيتها التي ستؤول إلى قتلنا جميعاً أحياء ميتون نقتل عمرنا كإسقاط فرض لا هرب منه . قد يتصور البعض إن الأمر مبالغ به إلا إنه هو كذلك لإننا صرنا صنّاع خراب وموت من نوع آخر دون الإلتفات إلى خطر ذلك نجيد الملل والرتابة والتذمر ولانجيد ابتكار الحلول  ،فالجو العام المشحون بتلك اللغة  المقيتة تجعلك مضطرا للرد بنفس الإنسيابية السائدة لتكون مقبولاً وقابلاً للاختلاط والتخالط الاجتماعي والمجتمعي .المضحك المبكي بالأمر أن الأمر بات عادياَ حتى في الدوائر الرسمية ومع الشخصيات المسؤولة . حديث البيت والعائلة والأصدقاء والشارع وفي السيارة وأماكن العمل وشبكة التواصل وما تعرضه الشاشات من دراما تجارية ومواضيع سياسة كاسطوانة مشروخة تصدع الرأس وتأكل جرف الروح وعمقها معللّين ذلك بأسباب شتى لا تحمل في ثناياها أية حلول أو بدائل  فتسقط عندها كل أسباب جدية ما نعمل وتفقد خطوات التحقيق احترامنا لمبدأ  العيش والعطاء يائسين بائسين  فبسقوط الأمل يسقط العمل ويسقط الانسان ويسقط المجتمع وبالتالي نتيجة حتمية يسقط بلد بكل مهابته ومستقبله وحضارته وتاريخه .

وإلى متى نتجاهل  لغة تعيد لنا نبض الحياة بدل تلك الظاهرة المقيتة والمميتة ، إلى متى ؟؟؟ 

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان