منذر فلاح
لم تكن دوافع الانسان الاول دينية حين قرر ان يصنع قرية ومن بعدها مدينة ( ول ديورانت الجزء الاول ) ، بل هي حزمة من التخوفات المشروعة كالاقتصاد والامن . بعدها طرأ الدين ولم يغير من نهج الدولة كثيرا لكنه ( النبي ) طلب الاعتراف او التعرف بالإله الواحد . وعلى مر الاديان قلة قليلة من شعب المدينة آمنوا بجدية ولكن الحق يقال انه لم ينتشر الدين سريعا على هذه القلة المؤمنة بل ينتشر بعد ان يقتنع به الملك ورجال الاعمال ( التجار ) او كان الملك نفسه نبيا . بعد موت الملك النبي يتحول الدين الى التجارالذين يتحولون الى قساوسة فتصبح المدينة مرتعهم ويصبح احتلال الدول باسم نشر الدين تجارة مربحة جدا لذلك نرى ان اوربا رفضت الاعتراف بان القران منزل من السماء اثناء الاحتلالات العثمانية العقيمة لاوربا لذلك اطلقوا عليه ( الكتاب المقدس التركي ) ( تاريخ القران للكاتب الالماني نولدكه ) . لم تستطع شعوب الدول المتدينة تغيير الواقع بالقوة فاغلب الحالات باءت بالفشل وان بدت ناجحة ، ولكن حقيقة الامر ان دولة الدين عدها التنازلي يبدأ حين يتخلى عنها رعاتها من الجيش والشرطة وبعض القساوسة وايضا بعض المثقفين والفلاسفة الاقطاعيين ( فولتير مثلا ) استطاعوا كسر الطوق الديني الذي كانوا يحمونه لا لشيء الا لمصالحهم الاقتصادية ولجشع القساوسة وسيطرتهم حتى على تجارة البغاء (أي صناعة الفساد والتصدي له ) هؤلاء المثقفون انضموا للجمهور وأبدوا امتعاضهم من المؤسسات الدينية . في احيان أُخر حين تجتر المؤسسات الدينية او الحكومية كل قوت الشعب يقل عدد المناصرين لها ( المستفيدين ) مثل الموظفين والجيش والشرطة فتظهر بوادر الغضب الشعبي ( الثورة الروسية ) وما هي الا شرارة صغيرة ولو كانت غير مقصودة (ضرب صورة صدام حسين في البصرة بعد انتكاسة الجيش في الكويت ) حتى تسقط الدولة وحين تصبح الاغلبية هائجة تظهر القيادات المستترة لتتسلم زمام الامر ( الثورة الفرنسية ) ولكن ان استطاعت الحكومة القديمة سحب البساط من جديد سيموت الشعب وتهرب القيادات الدينية التي ظهرت بالصدفة ( الانتفاضة الشعبانية ) .
في بعض الحقب التاريخية توصلت ايطاليا ( والدول المساندة لها ) الى حلول ميكافيللية رائعة مستخدمة ( فن التفاوض ) فهي لم ترفض المتدينين رفضا تاما بل طوقتهم بأسلاك شائكة وجعلت لهم حراسات ورواتب ( في حكم موسوليني ) ، ولكثرة هؤلاء المتدينين خلف الاسلاك جاملوهم وأطلقوا عليهم اسم دولة ( الفاتيكان ) فازدهرت اوربا بعد هذا الاجراء .
هناك تجربة مهمة جدا علينا ذكرها هي ظهور ما يسمى الديمقراطية الدينية ( المسيحية ) واهم اسباب ظهورها هو خوف المؤسسة الدينية على وجودها الاقتصادي وانتشار المؤيدين للاشتراكية النقابية في القرن التاسع عشر . ولكن وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية تطور التصادم فوق خشبة المسرح ( الدين والدولة ) وبدأت الاحزاب الدينية ــ رغم عدم مباركة الفاتيكان ــ تتجه نحو اليسار بقوة كما في النمسا الذي تحالف فيها الحزب الاجتماعي المسيحي ( المتدين ) مع الاشتراكيين وفي المانيا اصبح حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي يضم الليبراليين والاشتراكيين والكاثوليك والبروتستانت والعمال وأرباب العمل ( منقول عن الكاتب المغربي عبد المجيد سباطة ) أي ان المؤسسة الدينية تخلت عن بعض سماتها الاساسية لصالح الفكر العلماني الثائر من اجل ديمومتها وديمومة ثرواتها ولنعترف بانها نجحت ببقائها رغم ان المظهر العام للدولة اصبح علمانيا .
رغم عدم اكتمال المظهر العام للدولة العراقية اليوم نرى ان الدين يتجدد ، فهو الحاكم وهو الثائر لانه يمتلك الموارد اللازمة ( البشرية والعسكرية ) للقيام بالدورين معا ، ومن المضحك انه ظهرت في الاونة الاخيرة محاولات خجولة من اشخاص محسوبين على التيار اليساري بالتقرب من التيارات الدينية وليس العكس وهو اعتراف ببؤس المنظومة اليسارية في العراق اضف لذلك ان الكثير من التحالفات المدنية هي جزء من المنظومة الدينية . فـ الى اين ؟؟
نرى ان الحل الامثل لبناء دولة مدنية ما بعد داعش هو المرور بمرحلة الاستنزاف العائم للترسانة الضخمة التي تملكها الاحزاب الدينية ( اخر حلول فن التفاوض ) .





