د. أحمد الزبيدي
لعل المشهد الوحيد الذي يكون فيه السيد القاضي ( الأب القانوني ) منقادا لابنه المواطن الاعتيادي هو مشهد ( عقد الزواج ) فليس أمامه الا ان يردد المقولة الشرعية ، فالعريسان يدخلان الى المحكمة مطمئنان جدا ويعرفان جيدا مالذي سيقوله القاضي … هل أصبحنا اليوم أزاء ولادة مشهد انقيادي اخر بما يمكن ان نسميه ( القضاء السياسي ) ؟ قضاء تفصل فيه القوانين على المقاسات السياسية .. وحسب الطلب وحجم ( المسؤول ) ؟ .
ومما لا شك فيه أن من أبرز المعطيات الواقعية المشخصة لهيبة الدولة الديمقراطية هي رصانة ( السلطة القضائية ) وتجردها عن السلطات الاخرى ، فتصبح معيارا قانونيا يبين الخيط الابيض من الخيط الاسود ، وترصين الاحكام الدستورية وحصانتها من اي رواسب سياسية قد تصدئ ( الدولة ) بمختلف اتجاهاتها السلطوية .. هذا ما ينبغي ان تكون عليه السلطة القضائية ..
ولنتذكر جيدا ان التظاهرات الشعبية العراقية لم تكن تظاهرات ذات نسق كلي انما كانت دقيقة في توجهها الى ( أشخاص ) محددين وهذا دليل على عدم ( تجييرها ) وانقيادها لجهة عراقية محددة بل ودليل على وعيها العميق ، فكان الشتم ينال شخصية محددة وليس حزبا محددا … وكل الاحزاب كانت تلوكها الشتائم عبر المنتمين اليها من المتهمين بالفساد… المهم لم تكن السلطة القضائية بعيدة عن شتائم المتظاهرين وتحديدا السيد رئيس مجلس القضاء الاعلى.. ولنتذكر ايضا بان المرجعية الدينية الرسمية هي من طالبت باصلاح المنظومة القضائية واعتقد ، انها كانت تقصد ( القضاء السياسي ) الذي يغازل عبر غض الطرف والتحايل : يغازل السلطة التنفيذية . والغريب بالامر ان السلطة القضائية دافعت عن نفسها بعدم وجود ( ادلة ) تثبت تواطؤها بمختلف دوائرها العراقية … كأنها تريد أن تعمم التهمة حتى لا تطال صوتها السياسي المضمون في منطقته الخضراء …. والغريب في الامر ان توجه الغضب الجماهيري نحو اشخاص محددين ادى الى تفكيك المنظومات السيساسية الرئيسة وتشكل كتل سياسية جديدة ، ليس فيها من الجدة والتحول سوى التملص من تهم الفساد ورمي الجمرة بحضن الاخر ، والمفارقة الساخرة انهم يتخذون من عنوان( الاصلاح ) عتبة لبيتهم السياسي الجديد .. ومن هنا تحول الصراع من بعده الخارجي الى البعد الداخلي : صراع ( سني سني ) وصراع ( شيعي شيعي ) وبقيت القوى الكردية متصارعة في حدود بيئتها الجبلية الكردستانية .
وحين نتمعن في الموقف البرلماني المتمثل باستجواب السيد وزير الدفاع فإننا سنكون امام مشهد اجرائي مكثف يعكس عمق الصراع السياسي وتحوله من بعده الجمعي الى الفردي ، هنا الفرد يتهم الفرد .. السني يتهم السني .. ويوجه الاتهام بالفساد الى اعلى مراتب السلطة التشريعية ، ليتحول الى ( فرد ) لم تثبت ادانته .. وكأن القضية لا تتعدى بعدها القانوني ، متناسين ان مجرد توجيه الاتهام بصورته المخيفة يؤشر مدى تفشي الفساد في جسد الدولة العراقية واكذوبة الهيبة والقداسة السياسية .. وعجيبة تلك الهيبة التي يدافعون عن شرفها حين ( انتهكها ) ابناء مدن الصفيح في حين هم ينتهكون بعضهم بعضا .. ولم يبق امام المواطنين من بريق امل يصون تعبهم الديمقراطي سوى السلطة القضائية بوصفها أبا يحافظ على ابنائه . وها هي تدخل ضمن لعبة السارق والمسروق .. ففي يوم واحد لا غير ترفع الحصانة وبعد ساعات معدودة لاغير .. تعود اليه … فالقضاء برأ رئيس مجلس النواب باسرع من تبرئة السماء لام المؤمنين عائشة ( رض ) .. يوم واحد يكفي لعقد الزواج .. يوم واحد يكفي للعقد السياسي.





