غرام الربيعي
الفوضى العارمة التي عمّت وتعم مفاصل الحياة باتت مشكلة كبيرة تهدد الوضع الإنساني في أغلب الدول العربية وخصوصا العراق بعد تعرضه لهجمات تخريب عسكري واقتصادي واجتماعي من خلال السياسات التي تعاملت بها الجهات المتحكمة على المجتمعات والشعوب وتركت آثارها السلبية على تشكلات وتمظهرات صور الحياة الفاقدة للأنظمة والتوازنات بمختلف أشكالها وسبل الحياة المتحضرة أو المدنية حتى أنها لم تعد تصلح لأي وصف بدلالات منطقية فنحن لم نعد مجتمعاً علميا ينظمه القانون ولا دينيا تحكمه الشرائع والمقدسات ولا تنطبق صفات الحضارة المتقدمة على حضارات العالم أجمع كما يقول التاريخ ولا حتى القبلية والعشائرية التي سادت أحكامها في فترة زمنية وسيّرت الناس على مفاهيم سائدة وعرفية ، ولم تعد ثورات التغيير واضحة المعالم والفكرة لغياب القائد البطل بغياب الثقة من ورائيات أي ثورة وأي مؤسس لها ،وهذا بالتأكيد ينسحب على كل مفاصل الحياة من المؤسسة الأصغر (الأسرة ) كنواة لتكوين مجتمع أو المؤسسات المكونة لدولة أو وطن أو بلد له خصوصية وصفات وحرمة ،بل تعدّى ذلك إلى الشخصية الفردية الواحدة التي مزقّها التشرذم والاهتزاز والتناقض والإحباط بسبب الظروف المصاحبة لكل هذه التحولات المختلفة والمضطربة . هذا يشكل خطراً واضحا إلى استمرار الحياة بشكل طبيعي ومنتج .
لذا انعكست هذه الفوضى إلى طرق العمل في المؤسسات التي تشكل مفصلاً مهما وخطيرا في نوعية الإنتاج المثمر لتقدم البلد ،وصار المتشدقون بالسلطة لا يخضعون إلى شروط الشخصية القيادية لأي مؤسسة حسب تخصصاتها الوظيفية والأدائية مستغلين الفوضى العامة وخصوصا عند غياب الثقافة المؤسساتية كالخبرة والمعرفة والدبلوماسية والحنكة والاجتهاد والتوافق بين القوة والمرونة حسب الضرورة والدراية بظروف المرؤوسين والموظفين وغياب الثقة بالإدارة من ناحية الإخلاص والنزاهة والبعد عن الانحرافات التي تـُفشل العمل في أي مؤسسة . كما إن الدكتاتورية والعنجهية التي أصابت كثير من المتولين القيادات بغير حق ولا استحقاق بفضل التحزّب والطائفية والمناطقية وكل المسميات الدخيلة على مجتمعنا بفعل معكوس وانحسرت جداً بين قوسي المصالح الفردية المريضة وليست المشروعة .
هذا الغياب لشروط الثقافة الإدارية في المؤسسات أودى بفشل حركة ومسار الإنتاج الإنساني المرتقب لبناء بلد دمّره الخونة والفاسدون .حتى بات الأمر يسري كمرض معدٍ أو وباء يصيب الأكثرية معللّين ذلك بشتى الأوهام وتبريراً لاسترداد حقوق مهضومة سابقاً أو على ما يدور في حاضر الظروف وتداعياتها على كل فرد أو مجموعة حتى صار الحديث بدون خجل أو تردد (لسنا الوحيدين ) أو هذا واقع الحال ،فتتحول غاية الإنسان إلى سوداوية الهدف والغاية وتردي ذاته إلى هاوية الضياع دون قيم أو أخلاقيات مما يؤسس إلى مؤسسات منهوبة ومغتصبة وزائلة وكل من يعمل بها عليه الاستفادة منها قدر الإمكان لأنها فرصة ربما لا تتكرر اليوم لي وغدا لغيري ، وهذا بحد ذاته هو هدم للمنظور الإنساني البنّاء وللذات الإنسانية وتجرّدها من أي قيم أو إحساس بالوجود والسعادة .
من هذا يتضح أن القيادات المؤسساتية فقدت شرعيتها بالاستحقاق لغياب عناصر وشروط القيادة وعدم امتلاك ثقافة إدارية نزيهة وقادرة تسمح بقبول الأفكار والخطط المتجهة نحو تطوير ونجاح العمل في المؤسسة .
وضع الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب ساهم كثيراً في تغييب رسم الخطط المطلوبة لأي مؤسسة ومعايير تنفيذها .
فمن منا يستطيع الإجابة على تساؤل عليل :كيف نعيد بناء المؤسسات المصابة بالانهيار ؟؟؟





