علي علي
حقيقة لاتخفى على أحد، أن الحال في عراق مابعد التغيير لم تزدد عن عراق ماقبله إلا نكوصا وترديا وانحدارا، إذ تعاظمت السلبيات أضعافا مضاعفة، وتفاقم الفساد حتى صار عنوانا ومرتبة يفوز بها العراق بين الأمم، وتنامى الظلم والجور في احضان عدة، بعد أن كان ربيب حضن واحد وحزب واحد ونظام واحد وشخص واحد. وقد توهمنا أن التغيير سيأتي بالجيد والسمين والمفيد، بعد أن أزيح الغث والهزيل والضار، وخلنا أن السماء ستنفرج عن شمس تنير ظلماتنا، فإذا بالظلام يخيم على ربوعنا، وإذا بالسواد يلفع حرائرنا، وإذا بالأوضاع تنزلق الى مهاوٍ خطيرة عاما بعد آخر. وكما يقول الشاعر:
حتامَ أخرج من ياس الى ياس
وكم أذوق وأبقى طافح الكاس
لاأبلغ الذروة العليا على قدمي
حتى أنكّس للوادي على راسي
نعم، هذا هو ديدن العراقيين اليوم، فما خرجوا من مأزق إلا ولجوا بأضيق منه، وما انزاحت من فوقهم غمة إلا وحلت عليهم غمم ونقم وكوارث، أما أولو أمرهم فهم في وادٍ غير وادي شعبهم يعمهون. وكم شرخت أسماعنا دعوات الى الشفافية والمصداقية، فإذا بالتحايل والمكر يصبح سنة متبعة عند السابقين من الساسة، يتوارثها اللاحقون منهم، ويزيدون عليها تعميدا بعمامة سوداء، وتبريكا بأخرى بيضاء. وكم نثروا لنا ثمارا في عرض البلاد وطولها، وقالوا أنها ستينع وتنعمون بمالذ وطاب، فإذا بنا نأكل الحنظل ونعبّ من أصناف مر الشراب عبّا، وطالما فرشوا لنا الورود في طريقنا الى صناديق الاقتراع، ولكن أرض الواقع انقلبت شوكا بعد تقسيم المناصب وتحاصص الفوائد والغنائم. وكم وُعدنا بغد أفضل ومستقبل مشرق زاهر زاهٍ، وهانحن نجني بئس مخفيات الوعود وشر ما كانوا يتأبطونه لنا. وقد خدعونا بفتات من الحرية المزعومة، بعد سني الجور والقمع والكبت، وبكمّ ضئيل من الديمقراطية التي حرمنا النظام السابق من العيش في كنفها، وكانت ذريعتهم أن أزلامه وبقايا أيتامه يضعون العصي في دواليب عجلتنا، وسرنا على مضض في عجلتهم التي منوا علينا بها، وتدحرجنا في أودية كادوا لنا فيها شر المكائد، وتصيدوا في شحيح مياهنا ماخف حمله وثقل، وما غلا ثمنه وما رخص على حد سواء، ولم يبقوا لنا من الخيرات ما يحلم به المحروم دون حد الكفاف. أما أرضنا..! فهي الأخرى لم نسلم على مساحات شاسعة منها، فالغفلة والتهاون واللامبالاة، زامنها التواطؤ والخيانة والغدر، كانت خير سلاح سلموه بيد المتربصين بالأرض والعرض والزرع والضرع والأخضر واليابس، فأتوا عليها كلها بشهية مفتوحة ونهم مباح، وكيف لا؟ وقد فتح لهم أرباب الحكم في البلاد الاحضان والقلوب قبل الأبواب على مصاريعها.
اليوم وقد مضى من عمر العراق الجديد ثلاثة عشر عاما، ماالجدوى من التغيير؟ سؤال مرير، والإجابة عليه أكثر مرارة. يقول جبران خليل جبران:
“مأساتنا أننا؛ نتزوج ولانحب، نبني ولانتعلم، نصلي ولانتقي، نعمل ولانتقن، نقول ولانصدق”.
قطعا ليس بالضرورة أن يكون كلام جبران هذا صحيحا مئة في المئة، فهي وجهة نظر فيها قدر من الصواب والخطأ الى حد ما، كذلك وجهة نظري فيما ذهب اليه جبران، فهي الأخرى قد لاتعدو كونها رد فعل من منظار ضيق، أفضت اليه تراكمات الأفعال والأقوال التي بدرت وتبدر من ساسة تحكموا في مصائر بلدنا، أكدتها الأحداث التي مر بها مجتمعنا، وهي التي دعتني الى استذكار مقولة جبران هذه. وليس بجديد قولي أننا نأكل أكثر مما نتج، ونتكلم أكثر مما نفعل، بل أن فينا من يتقول حيث لايجيد القول، ومن يتمنطق وهو ناءٍ عن المنطق السوي كل النأي، والأدهى من هذا أن فينا من يدعي الحق وهو عين الباطل، وفينا المرائي المتصنع الذي ترتسم على محياه معاني التقوى، وتقدح أختام الورع وماركاته في جبينه، فيما يحوي باطنه من الموبقات أشنعها، ومن الأباطيل أرذلها… كل هؤلاء كان لهم وجود وحضور بنسب متغيرة في ظهرانينا، قبل التغيير وبعد التغيير، فما الجدوى من التغيير؟.
aliali6212g@gmail.com





