كتاب الحقيقة

مسافرون بلا محطات

علي علي

 

 

  بالأمس، نشرت جريدتنا “الحقيقة” مقالا في هذه الصفحة للزميل الكاتب جاسم جمعة الكعبي، كان عنوانه؛ (هل تحط طيارة فيروز من جديد؟)، وقد أجاد الكعبي في التصويرات والتلميحات والتقريبات، كذلك أبدع في الموسقة التي انتقاها كفاصل في ترتيب الأحداث، كما أحسن في تأجيج رماد الماضي، بتهييجه ركام الذكريات الغابرة، ولاسيما ذكريات الطفولة، والتي باتت لدى جيل السبعينيات -وهو جيل الكعبي- أجمل ما يمكن تذكره، بل أنها أضحت أكثر جمالا من الحاضر بكثير، ولا أظنني أخرج عن المعقول إن قلت أن العودة الى السبعينيات أضحت حلم هذا الجيل، وللقارئ أن يتخيل كيف يرفض الإنسان أحلام المستقبل بأفقه المفتوح، ويلبد تحت كوة ضيقة تقطر عليه من ماضيه لحظات دفء وسكينة واطمئنان وشعور بالأمان، مع إدراكه تمام الإدراك ماهية مثلنا القائل؛ (الفات مات). لقد جسد الكعبي بدغدغته الذكريات أبيات النابغة الجعدي حين أنشد:

                     خليلي    عوجا    ساعة    وتهجرا   

                                                        ولوما على ما أحدث  الدهر  أو  ذرا

                      ألم   تريا    أن    الملامة    نفعها  

                                                        قليل  إذا  ما  الشيء   ولى   وأدبرا

                      تذكرت والذكرى  تهيج  لذي  الهوى   

                                                         ومن  حاجة  المحزون  أن   يتذكرا

  لقد ابتدأ الكعبي رحلته الى حيث الذكريات على بساط وسط أجواء كانت الرياح فيها ساكنة، فكان عليه دفع بساطه بقوة غير قوة الريح، فراح يجدف بمجداف أشرك فيه جميع قرائه، وعلى وجه الخصوص أبناء جيله -ومن سبقوهم أيضا- حتى خف حمل التذكير عنه، راميا بعبئه عليهم، فبإيماءة ذكية منه الى موضع، يهب جميعهم اليه، مسترشدين بأحدوثة او (سالوفة) من أيامهم الخوالي تدلهم عليه، فكأنهم وإياه رحالة بلا مسافات، او مسافرون بلا محطات، ذلك أنهم عازمون على الغوص في غابر الأيام، ولايملكون من مستلزمات السفر سوى الذكريات، فهم يتسابقون خلف راية قبطانهم الكعبي للوصول الى ماضيهم بعد أن ملوا حاضرهم، ويئسوا من مستقبلهم. وحين أدرك الكعبي استحالة الوصول الى مبتغاه في رحلته، لبعد الزمان وليس المكان، كذلك لمخالفته قانون الطبيعة في التوقيتات، استحدث تطبيقا جديدا في عالم الرحلات، إذ استبدل عناء الرحيل بطيب التذكير، واستحالة الذهاب بإمكانية الاستحضار، فإذا بالماضي حاضر، وإذا بالوهم واقع حال، وإذا بسعينيات القرن العشرين كانها بين ظهرانينا.

  فيروز.. التي شحذت ذهن كاتبنا، وفتقت خزين ذكرياته، تمنت ان تعود طفلة صغيرة على سطح الجيران، والتمني بما يخص العمر ضرب من المستحيل، فكما قيل: ثلاث لايمكن استعادتها؛ رصاصة أطلقتها وكلمة قلتها وأيام عشتها. ويبدو أننا حذونا حذوها في التمني، ولكن، باتجاه معاكس..! فلطالما سمعنا عراقيا يدعو ربه بعبارة؛ “إلهي ماتاخذ عمري وتخلصني”..! وشتان بين أمنية الرجوع الى عهد الطفولة حيث بدء العيش من جديد، وبين النزوع الى الخلاص من العمر على عجل الى حيث المجهول، فما أمرّه من عيش، وما أتعسه من عمر..!

لقد كانت مقالة زميلي بالأمس رسالة واضحة ومؤثرة، موجهة الى قادة البلد وحكامه، الذين أجبروا العراقيين على تمني الرجوع الى عقد السبعينيات، بعد أن عاشوا ويلات الثمانينيات، وتعاسة التسعينيات، ورعب العقد الأول من الألفية الثانية، ومهزلة العقد الثاني منها، وياعالم ياعليم ماسيكون حال العقد الثالث؟!

aliali6212g@gmail.com

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان