علي حسن الفواز
هناك الكثير من المعوقات المانعة لإعادة انتاج الشخصية الوطنية العراقية، وإبرازها في الاجتماع الثقافي والسياسي.. غياب أنموذج هذه الشخصية تحوّل الى نوع من(الفوبيا الشعبية) والمزاج المشوه، فالأغلب يحمل فكرةً رثةً عن شخصيتهِ الوطنية، عبر التهويم بازدواجيتها وتناشزها وتغالبها، وعبر اتهامها الافتراضي باللاابالية، والاتكالية، وتحت يافطة القول الشعبي( آني شعليه).
هذه السيمياء اللغوية تعكس تشوهاً نفسيا عميقا، مثلما تعكس سخْطاً واحتجاجا على السلطة التي أسهمت في تخريبِ الروح العراقية، فتاريخ السلطة في العراق قرينٌ بالقسوة والظلم الاجتماعي، فضلا عن أنّ نمط الثقافات والايديولوجيات الكبرى السائدة فرضت نوعا من التابعية والاخضاع، فضلا عن شيوع أنماط أخرى للثقافات الشعوبية المحشوة بالأوهام، إذ أسهمت كلها في تعميق عوامل القمع النفسي لأي بروز للنزعة الفردية في الشخصية العراقية، وتهيئتها لاحترام ارادتها وتنمية مشاركتها الثقافية والسياسية والاجتماعية، وحتى المشاركة الديمقراطية في الانتخابات والتظاهرات لاتعدو في جوهرها سوى ظاهرة وعي محدودة، كثيرا ماتتعرض للمنع، أو الاتهام، أو حتى للاستغلال من قبل المهيمنات الشعبوية، ولطبيعة ما يحمله اللاوعي الجمعي من أوهام وخرافات، وتمثلات لسلطات مركزية، وذلك منعا لأنْ تكون هذه الممارسة وغيرها تعبيرا عن(فردنة) واعية، وتحفيزا للارادة ولخياراتها، وعن مشاركة المواطن/ الفرد في وعي ضرورات حياته ووجوده، وامكانية انخراطه في حياة مدينية حقيقية، لها تأثير واقعي على مسار التحول الديمقراطي، وعلى الوظيفة الاجتماعية والثقافية في المجتمع وفي مشروع بناء الدولة الجديدة..
أطروحات علي الوردي- رغم تقليديتها- ظلت مرجعا لتفسير الكثير من الظواهر، لاسيما التي تتعلق بمحنة الشخصية العراقية، وقد نظلم هذه الشخصية كثيرا، فنتهمها دائما بالنعوت التي تحدث عنها الوردي وغيره، رغم أننا نعزلها- في هذا التصوف- عن الظروف السياسية والاجتماعية القاهرة التي عاشتها، وتركت أثرها على(صناعة الوعي) وعلى(فهم الحرية والانتماء) فالانسان يريد من الوطن الأمان والاشباع والعدل، وبخلاف ذلك فإن الحديث عن الانتماء سيكون قسريا، وهو مايعني اخضاع هذا الانسان لطاعة السلطة والسلطان والجماعة أو حتى الطائفة، وبكل ماتحمله هذه الرموز دن دلالات، فتاريخ القمع في العراق منذ عام 1963 والى 2003 وضع مفهوم الانتماء قرينا بمفهوم الطاعة والايمان بالحاكمية الايديولوجية والأبوية، وصلا الى طاعة امر(الحزب والثورة) وأي خروج عن هذه التوصيف يعني مواجهة الخيانة والمروق والعمالة وغيرها من التُهم التي تذهب بصاحبها الى الموت..
وحتى مابعد عام 2003 وتفكك منظومة الاستبداد لم يحدث هناك تحوّل حقيقي في مفهوم الانتماء، فسلطة الفرد تحولت الى سلطة الجماعة، وظلت السلطة ضعيفة وغير قادرة على حماية المواطن/ الفرد، بل –أيضا- أخضعته الى توصيفات قهرية جديدة، والى اخضاعات شعبوية وطائفية، راح الكثير من الناس ضحيتها في المناطق المختلطة طائفيا، مثلما أنّ لها تأثيرا كبيرا على نشوء ظاهرة الارهاب والتكفير إذ مارست الكثير من الجماعات ومنها القاعدة وداعش وغيرها دورا قذرا في تطييف المجتمع، ووضع المواطن الفرد تحت حكم(الهوية).
كل هذه العوامل وغيرها تحتاج الى عملية فحص دقيق، ومراجعة تاريخية وعلمية وثقافية لتفكيك منظومتها المفاهيمة أولا، ولوضعها داخل سياق بناء العقل النقدي ثانيا، ومراجعة تاريخ سلطة التوحش التي اسهمت في رثاثة الشخصية الوطنية العراقية..





