علي حسن الفواز
يظل الانحيازُ للحرية أمراً ضرورياً إنسانياً وأخلاقياً، وهذا الانحيازُ يمثلُ اللبنةَ الأساسيةَ لأيِّ مجتمعٍ مدني، ولأيِّ حوارٍ يمكنْ أنْ يحترمَ الديمقراطيةَ والحقَ والقبولَ بالآخر..
والدعوى المرفوعةُ من قبل الدكتور صفاء الدين ربيع رئيس هيئة الاعلام والاتصالات ضد الاعلامي منتظر ناصر تحولتْ الى قضيةِ رأي عام، فبقطع النظرِ عن ردِّ الدعوى من قبلِ محكمةِ قضايا النشر لعدم كفايةِ الأدلةِ، فإنَّ القضيةَ تحتاجُ الى مقاربةٍ جديةٍ، والى وعيٍ مهنيٍ بالمسؤولياتِ التي تمارسها الصحافةُ، أو التي تمارسُها المؤسساتُ الرسميةُ الأخرى..
المواقفُ المتقاطعةُ بين الخصمين، والاتهاماتُ التي باتتْ وسائلُ الاعلامِ والتواصلِ الاجتماعي ميداناً مفتوحاً لها تكشفُ عن معطياتٍ ومفارقاتٍ نأملُ أنْ تتحولَ الى فضاءٍ تنويري لوعي الحرياتِ واحترامها، وأنْ تكونَ مؤسساتُنا الاعلاميةُ على قدرٍ من المهنيةِ لكي تمارسَ عملَها بشفافيةٍ وموضوعيةٍ، وبعيدا عن السياقاتِ النمطيةِ التي تحدُّ من حريةِ الاعلاميين حريتهم في بحثِهم عن المعلومة، وحتى نشرها، ووضعها أمام الرأي العام في سياق التنافس، لكنْ هذا البحثَ يقتضي بالمقابل حرصاً من قبلِ الصحفي، ويتطلبُ دقةً في مسؤوليتِهِ وهو يبحثُ عن هذه المعلومة وآليات نشرِها، وأنْ يحوزَ على الوثائقِ والأسانيد التي من شأنِها أنْ تعززَ مصداقيةَ معلومتِهِ..
مساندةُ حريةِ الرأي، والحصولُ على المعلومةِ تدفعُنا دائما للدفاعِ عن زملائِنا الاعلاميين، مثلما أنَّ حرصَنا على أنْ يكونَ الفضاءُ الأعلاميُ الجديد أكثرَ مرونةً في التفاعلِ مع المتغيرات، هو الحافزُ على دعوةِ مؤسساتِنا الاعلامية لأنْ تكونَ جزءاً من(ديموقراطية) الواقع الجديد ومدنيته، ومن حاجته لتفعيلِ الجهدِ الاعلامي وتوسيعِ مساحاتِه، وعلى وفقِ مايُعزز قيمةَ الحريةِ كحقٍ شخصيٍ وعام، وبما يحفظُ عملَ المؤسسةِ وسياساتِها ومهنيتِها..
من هنا نجدُ أهمية أنُ لا تكونَ مؤسساتِنا الاعلاميةَ موضعَ إتهامٍ دائم، وأنْ لايوصف الصحفيُ ذاتُه وكأنه (سلطةُ) ضغطٍ على هذه المؤسساتِ، وأنّ خلافا بين الطرفين سيكونُ موضوعا للإثارة في المحاكم واستعراضا للاتهامات المتبادلة، فماتعرّض له الزميل منتظر ناصر من مشاكل وتهديد، وحتى في قطعٍ لرزقه يدفعنا للحديث عن أهمية تعزيز الثقة مابين الصحفي والمؤسسة، والدعوة للحوار، وللتفاعل بعيدا عن التشنج، ولحماية اعلاميينا من أيةِ ممارساتٍ تفتقر للمهنية، وكذلك لبعض السلوكياتِ البيروقراطية..
إنَّ إشاعةَ التقاليدِ المهنية في العمل الاعلامي مسألة ضرورية، مثلما أنّ التوصيفَ القانوني للعمل الاعلامي أمرّ يُكسبه الحصانةَ، ويضعُ الجهاتِ المعنية من وزاراتٍ ومؤسساتٍ أمام الشرعة القضائية في حالِ حجبت المعلومات الضرورية عن الإعلام، أو تعمدتْ بإيذاءِ الاعلامي والتجاوز على حقوقِه المهنيةِ والشخصيةِ، لكن هذه التقاليد تحتاج من الصحفي أيضا الحرصَ والجديةَ على تأمينِ مصادرهِ الدقيقة ووثائقه من باب إبراز البَيْنة كما تقولُ القاعدةُ الفقهيةُ، لكي يحمي نفسَه، ولكي يكون دفاعُه عن موضوعِه قانونيا ومهنيا وشرعيا..





