كتاب الحقيقة

تقسيم العراق.. في العقل الظني

عبد المنعم الاعسم

 

تقسيم العراق الى سيادات (دويلات. امارات..) واحد من الاحتمالات التي يمكن ان يتمخض عنها الصراع القائم، ينحسر أو يتسع، بحسب آثار ومديات الانشقاق في النسيج الوطني، وكذلك بحسب موقف الدول صاحبة الثقل والتاثير في هذا النسيج من خيار التقسيم، وبمعنى آخر، فان تقسيم العراق (ولا نعني الى فيدراليات) تفرضه جملة من المعطيات التي ينبغي (لمن يتصدى للموضوع) ان يمعن النظر فيها، وفي حقائقها.

لكن العقل الظني يضع هذا جانبا، ويعلن “لاتتعبوا انفسكم.. العراق سيُقسم، لأنهم يريدونه كذلك” وينصرف الى توليف هذا الحكم على اساس النيات المبيتة للقوى الخارجية، غير المعلن عنها، او جرى الإفصاح عن نقيضها “للتضليل” او جاء ذكرها بين السطور وفي زلّات اللسان، والنتيجة، ان التقسيم هذا (كما يقطع العقل الظني) مشروع سري “جهنمي” يجد طريقه الى التنفيذ بتوقيتات محددة، ولا فائدة من ذمّ هذا القادم الكريه، مثلما لافائدة من ذمّ الشيطان الرجيم. 

وإذ نتحدث عن احتمالات تقسيم العراق في ظروف الصراعات والاضطرابات والمواجهات الطائفية فانه لا علاقة للامر بالحديث عن حق تقرير المصير للشعب الكردي، فهذا الملف يتصل بسياقات اخرى، وموضوعنا، يتناول اشكال النظر الى احتمال التقسيم، ومحاولات ترسيم تجلياته (من قبل العقل الظني) على اساس منظور المؤامرة المبيّتة للدول المجاورة، او القوى الكبرى، فيما يتأكد للمحلل (المتحرر من هذا المنظور) ان هذه الدول الموزعة في تعاطفها على المكونات السكانية تنظر بهلع الى خيار تقسيم العراق لأن الدويلات المنبثقة عن الدولة الام ستكون عبئأ على تلك الدول، وقد تكون منزلقا لها الى ساحة حرب لا حدود لنتائجها الكارثية، بحساب نتائج الحروب المعاصرة واهوالها.

هذا لا يعني تشجيعا للنظر الى الدول المجاورة كجهات مُحسنة، بل يعني حصرا القول بان هذه الدول (بحسب مصالحها الاستراتيجية) تريد عراقا مضمون الجانب، كفيلا لنفوذها، موحدا، يكفيها شر الاضطرابات، ولا يصدر لها أزماته وفضلات احتقاناته الطائفية. اما الثروات التي يقال انها مطمع تلك الدول فان دولة عراقية موحدة اضمن لذلك المطمع من ان تكون دويلات تخوّض في حروب تحول الثروات الى كومة من القش، ثم الى اعمدة دخان.

العقل الظني مغرم بالحديث عن التاريخ، بطريقة ظنية، فيقول لك ان “تدمير” العراق وتفتيته الى دويلات حلقة في مسلسل بدأ من الاندلس حين تزوج فرديناند ملك أراغون من إيزابيلا ملكة قشتالة في القرن الخامس عشر واتحدت المملكتان لتدمير وحدة غرناطة العربية، لكن الرواة الظنيين لم يتحدثوا عن احزاب الطوائف “الاسلامية” التي فسدت حتى النخاع، وتقاتلت على السلطة، ثم باعت اوطانها برقائق ذهب اكتشفت انها مغشوشة، لكن بعد عبور البحر.. وفوات الاوان.

 

  “يأتي على الناس زمان لا تـُقرّ فيه عينُ حليم”.

لقمان الحكيم

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان