كتاب الحقيقة

العفو العام ثمن مصالحة وهمية

 محمد محيي

 

وأخيراً وبعد مخاض عسير، تم تمرير قانون العفو العام، بصيغة مطاطية لم تراعِ الملاحظات المهمة, التي عطلته طيلة الفترة الماضية، وقد كنا نتوقع بعد ان جوبهت المسودات المتعددة لهذا القانون باعتراضات شعبية واسعة، ان يعاد النظر فيه بما يتجاوز الخلل الواضح في بعض مواده، وخصوصاً المادة الثامنة، التي تمنح آلاف الإرهابيين فرصة ذهبية لاعادة محاكمتهم بمجرد الطعن بظروف اعترافاتهم، وإلا فما الداعي للتأجيل المتكرر، فها هي المادة الثامنة بصيغتها النهائية لا تختلف عن الأولى، وبالتالي سيكون بمقدور الهاشمي والعيساوي, وحتى البغدادي فيما لو كان محكوماً, ان يتمتع بالعفو بناء على هذه المادة. نحن نعلم ان تمرير القانون, كان هدفه الأساس شمول بعض الشخصيات المعروفة بالعفو, وتصفير السجون من المحكومين بقضايا الإرهاب من الطائفة السنية, بما يتوافق مع متطلبات ما يسمّى بمشروع المصالحة الوطنية، وقد اتخذ القائمون على هذا المشروع, جملة من الإجراءات والخطوات, للوصول إلى أهداف يتم تنفيذها وفق آليات غير مفهومة, شرط أن تكون بعيدة عن الإعلام، وهذا ما جرى في قانون العفو العام, وان التأجيل والاعتراض إنما هو لذر الرماد في العيون، أما حقوق ضحايا الإرهاب ودماء الشهداء, فلن تكون ذات أهمية في حسابات من مرّر القانون, ولذلك قد لا يفهم الكثيرون, اتخاذ الحكومة إجراءات معينة, أو تمرير البرلمان لقوانين محددة, بأنها جزء من هذه المصالحة. ومع أننا مع مفهوم المصالحة الوطنية, الذي يضمن التعايش السلمي بين مكونات المجتمع، وضمان تمثيلها العادل في السلطة, وفي توزيع الثروات, بما يضمن بناء دولة المواطنة, والانتماء للعراق وليس للطائفة أو القومية, إلا أن الأمر ليس بهذه السهولة, فما يراد له أن يؤدي الى تسوية تاريخية بين المكونات الرئيسية, ينبغي ان تشارك في صياغته جميع الأطراف الفاعلة, القادرة على اتخاذ القرار وضمان تنفيذه، كما ينبغي تحديد طبيعة هذه التسوية وأثمانها، فلا يعقل أن يقدم طرف تنازلات مؤلمة, كما يصفها مشروع المصالحة دون مقابل، كما لا يمكن قبول استخدام القوة والإرهاب, بعناوينها المختلفة, وسيلة ضغط لابتزاز الآخر, وفرض تنازلات لا تتناسب مع ما يقابلها من مكاسب. وربما قد حقق القائمون على مشروع المصالحة الوطنية, انجازاً مهماً في تمرير قانون العفو العام, وأصبح بإمكانهم إعادة بعض الشخصيات الى الواجهة السياسية، ولكنهم في نفس الوقت, يعانون من مأزق كبير, يتمثل في الإجابة عن تساؤلات مشروعة، وهي مع من نتصالح, ومن هي الأطراف التي تقود التفاوض، وإذا كان المقصود من التسوية التاريخية, حسم مسألة الحكم بين السنة والشيعة خصوصاً، فمن الذي يمثل السنة ومن الذي يمثل الشيعة، فقد تغيّرت المعادلة بشكل كبير لدى الطرفين، ولم يعد من حق بعض الأطراف, التي كانت تتصدر الواجهة السياسية, ان تتخذ قراراً تاريخياً باسم الطائفة, دون مراعاة المتغيرات الجديدة, وأوزان الأطراف التي افرزتها المواجهة مع داعش، كما أن تعريف الإرهاب وارتباطاته, موضوع حاسم لفهم طبيعة الحركات والتنظيمات المسلحة السنية, التي تتخذ العنف والإرهاب, وسيلة للوصول إلى أهداف أكبر من حجمها, مدعومة من قوى محلية وإقليمية ودولية. ولذلك نحن نخشى أن يكون ثمن قانون العفو العام, صفقة مصالحة وهمية لن تحقق أهدافها, سيكون الطرف المبتلى بالإرهاب, هو الخاسر الوحيد فيها, لأننا سنكون قد عملنا على ضخ, آلاف المقاتلين الجدد الى المجاميع الإرهابية, في وقت تعاني فيه من الانهيار, مما سيقوض الإنجازات الكبيرة, التي تحققت خلال السنتين الماضيتين, والتي دفعنا ثمنها دماءً غزيرة.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان