كتاب الحقيقة

أنا ثم أنا ثم أنا ومن بعدي الطوفان

علي علي

 

 

لطالما سمعنا عن اختلافات في الرؤى تنشب بين أفراد او جماعات او فئات، يستعصي الوصول فيها الى حل يرضي الأطراف جميعا، فتستحيل تلكم الاختلافات الى خلافات ومن ثم الى صراعات، وقد تتطور فتأخذ جانب التعنت بالموقف والتزمت بالرأي، فيصل الجميع حين ذاك الى مالاتحمد عقباه، ويتساوى إذاك محصول الأفراد والجماعات والفئات من شر ماجنوه على أنفسهم يوم لاينفع نقاش ولاعتاب. وقطعا تدخل الحلول حينها متاهات أشد ظلمة، ودهاليز أكثر حلكة، وسينشد الجميع حينها: (لو كنت أعرف خاتمتي ماكنت بدأت).

   اليوم تشهد الساحة السياسية تضاربا في التصريحات، يبدو للوهلة الأولى أنه ملء فراغ إعلامي، او كما نقول (گضيان وكت) يقوم به الساسة من رؤساء الكتل وأعضائها، للتأثير على الرأي العام، ونلمس هذا جليا من خلال التصريحات التي يدلي بها مسؤول هنا او نائب هناك. ونستشف من تلك التصريحات ميول هؤلاء وأهواءهم، فيما إذا كانت سليمة تهدف الى خدمة البلاد والعباد، ام سقيمة تستهدف المنفعة الخاصة والمصالح الأنانية! لاسيما ونحن نلمس روح الـ (أنا) عالية عند كثير ممن يعتلون سدة الحكم، او الذين يتأملون اعتلاءها.

   ومن هذه الـ (أنا) ما هو واضح في تحركات ائتلاف “متحدون” إزاء اختيار وزير محل العبيدي، إذ أن ثقله في الساحة السياسية لم يمنع انحياز أعضائه -فضلا عن رئيسه- صوب المآرب الشخصية والمنافع الفئوية، وذلك برفعهم أسماء رشحوها لاستيزار وزارة الدفاع، لم يتخذوا من المهنية والتكنوقراط وحدة قياس في ترشيحهم، ولاأظنهم نسوا ولا تناسوا صورة المحاصصة التي باتت قبيحة بعيون العراقيين، وكم باتت الحاجة ملحة لنبذها وطوي صفحتها لمن يريد مصلحة العراق في ظرفه الحرج اليوم. فمتحدون بهذا النهج يدعون بملء أشداقهم الى فسح المجال أمام المحاصصة، لتكتمل عملية التهام خيرات البلد التي كانت قد بدأت عام 2006 وأدت به الى الوضع الذي نحن عليه اليوم. كذلك هم يطمحون الى تكبيل أهم مؤسسة أمنية في الدولة بسياسة التحاصص التي لن تنتهي مادامت روح الأنا هي الغالبة، وهذا ما أثبتته السنوات الماضية من عمر عراق الديمقراطية والفيدرالية. فقد غض أعضاء “متحدون” بصرهم عن أن الشراكة –التي ينادون دوما بتهميشهم عنها- أول ماتعني إيثار المصلحة العامة على المصالح الشخصية، فهل كانت خصلة الإيثار من سمات مشاركتهم في العملية السياسية فيما مضى؟ لاأظن الإجابة ستكون نعم..! بدليل أن أغلب المشاركين -في متحدون وغيره- مافتئوا يدفعون عجلة البلد للسير في طرق تصب نهاية المطاف في المصالح الحزبية والعشائرية والمناطقية، علاوة على الطائفية والعرقية.

  ورب قائل يقول أن من محاسن حكومة الشراكة الوطنية، أنها تبعد شبح التسلط والتفرد بالحكم عن دكة الحاكم.. وفي حقيقة الأمر، لو عدنا الى التجربة الماضية لرأينا بأم أعيننا كيف استغل (المشاركون وطنيا) تلك الشراكة، وأجاز كل فرد منهم التسلط بنفسه والتفرد في حكم ماتحت يده من صلاحيات، على صعيدي التشريع والتنفيذ، فياحبذا الالتفات الى الوراء قليلا، لتبيان سلبيات الشراكة والتوافق التي سيء فهمها واستخدامها وتطبيقها. 

  مستقبل العراق إذن..! يتبلور في الأنا التي لايستغني عنها ساسته، وما يتمخض عنها من سلوكيات تصل حد العداء مع الآخر والانزواء عنه، واتباع قاعدة؛ (كلمن يحود النار لكرصته)، والتحاصص طبعا فرع من فروع الأنا، بل هو طوق يحيطها ويحصر المكاسب والمقاصد والغايات عند حدودها، وقد قالوا قديما؛ أنا ومن بعدي الطوفان.

aliali6212g@gmail.com

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان