منذر فلاح
فن صناعة الازمات فن موغل بالقِدَم وله اصوله ورجاله وله في اغلب دول العالم مؤسساته وبحوثه وخبراؤه ( د. صلاح الدين محمد ) لكن بمستويات متفاوتة على ان ابشعها في هذا المجال هي امريكا فقد دأبت على استخدامه منذ ان أعلنت دولة مستقلة الى يومنا هذا وهي مستمرة على استخدامه وتطوير آليات نجاحه بحيث اصبح يشكل عمودا ترتكز عليه كل سياساتها الخارجية واعتماده كأهم وسيلة لتخطي كافة التزاماتها ومعاهداتها مع كل دول العالم ولطالما استخدمت البروباغندا ( الاعلام المضلل ) لإقناع الاخرين بصحة الازمة (( في كتابه “مفارقات التأريخ الأميركي” (1952) يقول المفكر الأميركي “راینهولد نیبور”: عندما تدرس الوسائل التي تستعد بها الولايات المتحدة لدخول أي حرب عبر التأريخ ستجد نمطاً سائداً ؛ إذ يتألف الحدث الذي يشعل الفتيل من أزمة مفاجئة تحرك الرأي العام وتدعو إلى تدخل عسكري فوري , لكن غالباً ما نكتشف بأن هذا الحدث ناتج عن تصور مضلل أو تلفيق صريح )) ( منقول ) ففي عام 1898 وحين امتنعت اسبانيا ( رغم وجود معاهدة قديمة تربط الطرفين ) من التخلي عن كوبا لامريكا وضعت الاخيرة المتفجرات في بارجتها الحربية ( ماين ) وفجرتها لتتهم اسبانيا بذلك وتعلن الحرب عليها محاولة احتلال كوبا والفلبين وبعدها بورتوريكو والفلبين ( عملية منغوستا ) . وعلى نفس المنوال فجرت امريكا سفينتها “لوسيتانيا” بالقرب من بريطانيا في 1915 متسببةً بقتل 1200 شخص منهم 128 أميركياً وسفينة تجارية اخرى متهمة المانيا بذلك وهو احد اسباب دخول امريكا او اقناع الشعب الامريكي بدخول الحرب العالمية الاولى بعد مرور ثلاثة اعوام اي في عام 1917. كما خلقت لليابان ازمة نفسية حادة من خلال ( حصار كامل على واردات النفط اليابانية ، ايضا منعهم من استخدام قناة “بنما”, وبذلك اعتراض الطريق الذي يصلهم بنفط فنزويلا ) لتضطر الاخيرة الى ضرب بيرل هاربر ( صحيفة لوس أنجلوس تايمز الأميركي – جوزيف جي إيليس ترجمة – هالة عدي ) وتدخل امريكا الحرب العالمية الثانية نهاية 1941 لتخبر العالم عن قدرة القنبلة الذرية . وأخيرا تفجير البرجين وتداعياته على العراق ( ولا يهمني غيره ) .النوع الاخر من فن صناعة الازمات وسيكون اخطر من الاول خلق الحروب الاهلية أي الحرب بالنيابة ومن ثم نشر ثقافة التبرئة ( عقدة المؤامرة ) أي من يتهم امريكا فهو مريض نفسيا ، وخير مثال هو السيطرة على بنما . لقد راينا اعلاه حين امتنعت اسبانيا من التخلي عن اراضيها ماذا فعلت امريكا . والان حين امتنعت كولومبيا من تأجير بنما وتحويلها الى ممر او قناة استثمارية عمدت امريكا الى اشعال الفتنة بين الجمهور الواقع في بنما وكولومبيا بين المحافظين ( الحكومة ) والليبراليين ( في بعض المنشورات يطلقون عليهم العصابات المحلية ) ( حرب الالف يوم 1899- 1902 ) ونالت بنما من الحرب الاهلية الشيء الكثير . عام 1903 قررت الحكومة الكولومبية بعد ان اجهدتها المعارك الداخلية ( بالنيابة ) بتسليم بنما لامريكا كحل ينقذ الامة من الاهوال ، فأرسل روزفيلت السفينة الحربية الامريكية ناشفيل لتتخلص من قائد الميليشيا المحلية وتعلن انفصال بنما لتكون دولة مستقلة وبنفس اللحظة تعاقدوا مع الدولة الجديدة باستثمار بنما 99 عاما وانتهت الحرب الاهلية بقدرة قادر . هناك نوع اخر وسيكون الاشد خطورة بان تكون الازمة دولة تتحدى بها امريكا باقي الدول مثل خلق ايران شيعية كأزمة ضد السعودية وتركيا واسرائيل والخليج وخلق مناطق متنازع عليها من قبل كل الاطراف ، مع ملاحظة انه ليس بالضرورة ان تكون ايران مشاركة لأمريكا بأستراتيجيتها طويلة الامد هذه فيقول احدهم ( اعتقد كيسنجر ) في كتاب محمد حسنين هيكل مدافع اية الله ( نحن لا نشارك في شيء لكنا نقوم بتشحيم العجلات ليس الا ) ( بتصرف ) لذلك نرى ان امريكا مصرة للان بعدم السماح بسقوط ايران ( على ذمة الاعلام القائل ان هناك في المفاعل النووي الايراني اجزاء امريكية ) .
اين العراق من كل هذا او أي من هذه الازمات مر بها ؟؟
في ثمانينيات القرن المنصرم نشرت مجلة كل العرب صورا للجيش الامريكي وهو يخطط للدخول الى العراق وتقسيمه جيوبوليتيكياً ثم بدأت الازمات تتوالى اولا ازمة الكويت للتخلص من الجيش العراقي الضخم وهي بداية فكرة احتلال العراق ثانيا ازمة البرجين التجاريين هي نضوج فكرة الحرب عند الشعب الامريكي ثالثا ازمة المفاعل النووي العراقي هي اعطاء الضوء الاخضر لبوش بدخول العراق ثم نشر مبادئ التبرئة ( عقدة المؤامرة ) ثم البدء بزرع الادوات اللازمة لتأجيج الحرب الاهلية ووضعهم على قمة الهرم وصولا للنقطة الحاسمة وهي .. ما هي ؟؟
قبل كل شيء نود ان نعرف لماذا تصر امريكا على العراق ؟
1ــ اصبح الجيش العراقي ضخما بعد ان أبطأ تحرك ايران فلا بد من سحقه خوفا من تحركه ضد اسرائيل.
2 ـــ ازمة الخزين الاحتياطي لنفط امريكا جعلها تضع اليد على ثاني اكبر احتياطي في العالم وهو العراق.
3 ـــ يجب تحريك شركات الاسلحة الامريكية بعد الخمول أي يجب ان تكون هناك حروب استنزافية كثيرة .
واسباب اخرى كثيرة لا مجال لحصرها . فما الحل ؟؟
لننظر الى حلول من ابتلوا بمثل ما ابتلينا اولا تخلي اسبانيا عن مصالحها خوفا من تدمير البلد برمته ونفس الامر مع كولومبيا وسرعة انتهاء الحرب الاهلية هناك بعد اغتيال رجال المليشيات ، ثانيا هناك تجربة مذهلة ( تكاد ان تكون مثالية ) وخروجا ميكافيلليا رائعا ، فقد تعاطت اليابان مع الاحتلال الامريكي بكونفوشيوسية رائعة بحيث اصبح الاحتلال نعمة للشعب وها هي اليابان تعود تنينا اقتصاديا يحمل اخلاقا لا تمت بصلة لأخلاق ما قبل الحرب العالمية ، اما تجربة فيتنام وخروج امريكا خاسرة بسبب ان الشعب يقاتل مع مرجعية او مرجعيتين ولم تخطئ امريكا هنا في العراق فقد جعلت لكل مائة شخص او اكثر مرجعية واغلبها مرجعيات اقليمية او حتى دولية فمن المحال ان نتوحد لبناء مجتمع وطني .. واذا ؟؟
يقول دانتي وبتصرف ( من يحب وطنه سيكون خائنا ) .. من خلال التجارب العالمية نرى بان عودة السلم منوط برضى امريكا أي يجب اعادة صياغة العلاقة من جديد لتأخذ على عاتقها مراقبة الحدود والضغط على دول الجوار بعدم مد الميليشيا بالمال والعتاد واغتيال اهل الفتنة وتحويل النظام من برلماني الى رئاسي واستعادة الاموال المنهوبة …… ولها ما تريد.





