كتاب الحقيقة

أطفال الشوارع.. ظاهرة مثيرة للقلق

علاء الماجد

 

في غفلة من الجهات المسؤولة عن رعايتهم والأخذ بيدهم نحو الأمان, تتسع يوما بعد آخر ظاهرة أطفال الشوارع لتغدو ظاهرة مثيرة للقلق تؤشرها مجاميع بائسة من الأطفال يجوبون الشوارع والطرقات بحثا عن رزقهم ورزق عائلاتهم الفقيرة لا تتعدى أعمارهم الاثنتي عشرة سنة من كلا الجنسين .. فما بين استغلالهم وتشغيلهم في مهن مذلة كالتسول, و بين تعرض العديد منهم لاسيما الفتيات لحالات تحرش جنسي واغتصاب, تغيب عن هذا المشهد المرعب بشكل كامل مبادرات رسمية ومدنية لاحتضانهم وانتشالهم من واقعهم القاسي والبائس وتامين مستقبل لهم علهم يجدون فيه أخيرا إنسانيتهم المفقودة. وتشير إحصائيات غير رسمية قامت بها منظمات مجتمع مدني تعنى بشريحة الأطفال , إلى أن نحو (12.000) طفل قاصر يعملون في الشارع بمختلف المهن ابتداء من التسول ووصولا إلى بيع أشياء بسيطة ذات مردود مادي قليل . وتصل نسبة الأيتام والمهجرين منهم إلى حوالي 73% واغلبهم جاؤوا من محافظات عراقية شهدت أعمال عنف دموية على مدى السنوات الماضية كديالى وكركوك والموصل فضلا عن بغداد. العديد من هؤلاء الأطفال لم يتلقوا تعليما في المدارس نتيجة للتهجير الذي طال عائلاتهم في المناطق الساخنة وتركوا على إثره المدرسة, أو بسبب ضعف العامل المادي والمعيشي لعائلاتهم التي فقدت اغلبها المعيل الذي كان يوفر قوتها مما اضطرهم إلى ممارسة العمل في الشارع بكل ما ينطوي عليه من مخاطر على براءتهم.. البعض من أطفال الشوارع يعيشون مع أمهاتهم أو احد أفراد عائلتهم في فنادق رخيصة وقذرة وسط العاصمة بغداد لا تتوفر فيها أدنى مقومات السكن لكنها تتميز برخص أسعارها وتوفيرها الملاذ لهؤلاء.. فيما القسم الأعظم منهم يعيشون في ما يعرف بالعشوائيات على أطراف المدن وهي أيضا لا تتوافر فيها شروط السكن الملائم وبالتالي تكون معاناة هؤلاء الأطفال كبيرة ولا حدود لها سواء في الشارع أو السكن. وتكاد تنحصر أعمال أطفال الشوارع في بيع المناديل الورقية وقناني الماء والعلكة لأسباب كثيرة أهمها رخص أسعار هذه المواد في أسواق الجملة بحيث يكون باستطاعتهم شراؤها لأنها لاتتطلب رأس مال كبير , إضافة إلى استهلاكها اليومي والإقبال على شرائها من قبل الآخرين.. غير أن جوهر هذا العمل في حقيقته هو التسول , إذ يعمد الكثير من الناس إلى دفع ثمن البضاعة من دون أخذها من الطفل الذي يمارس هو أيضا أسلوبا في عرض بضاعته يقترب من حالة التسول . ولطبيعة المكان الذي يعمل فيه هؤلاء الأطفال تأثير كبير على سلوكهم , فالعديد منهم أصبح مدمنا على الحبوب المخدرة نتيجة لعملهم في أماكن موبوءة بالرذيلة وتجارة المخدرات وغيرها كبعض مناطق البتاويين والميدان وعلاوي الحلة . ومن المفترض بالجهات المختصة توفير أماكن ملائمة للأطفال المشردين بغية رعايتهم وتأهيلهم وليس اعتقالهم وإطلاق سراحهم مرة أخرى , و ضرورة اخذ تعهدات خطية من أولياء أمور الأطفال بعدم معاودة العمل كمتسولين مرة أخرى واتخاذ إجراءات صارمة بحق أولياء الأمور المخالفين في حال معاودة الكرة ثانية ,  هناك تقصير واضح تجاه هذا الأمر الخطير .و لعل احد أهم الأسباب التي ساعدت في ظهور أطفال الشوارع بهذا الشكل الواسع هو القصور الواضح لمؤسسات الدولة المختصة منها برعاية الطفولة والأسرة , إذ تؤشر الظاهرة إلى مدى الإهمال والتقصير الذي يؤطر عمل الدوائر الحكومية المختصة بهذا الشأن ولامبالاتها بشريحة مهمة يتوقف عليها مستقبل البلد في مختلف الميادين , خصوصا أن بلدا مثل العراق يتمتع بموارد هائلة بإمكانه إذا ما توفرت النوايا الحقيقية والجادة والرؤى السديدة في هذا المجال لمؤسساته المختصة ,أن يقضي نهائيا على هذه الظاهرة التي تهدد بخلق أزمات اجتماعية في المستقبل القريب..

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان