عدنان الفضلي
يتفق علماء النفس والاجتماع على حقيقة مفادها – ان الانسان وبميول فطرية يبقى مستطلعا وباحثا عن الحقيقة وخفايا الاسرار . وبما ان المعلومة المعرفية لا تتوفر جاهزة على قارعة الطريق . فلابد من ايجاد طرق ووسائل للوصول اليها . وهي متعددة وكثيرة . وما يهمني منها هنا هي القراءة . ولكي اترك الحديث ياخذ مبدا الاختصار والفائدة ، فسأمر اولا على الواقع الحالي للقراءة .حيث نشاهد ان الكتاب لم يعد مطلوبا بذات القيمة التي كان عليها في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم . وما جاء ذلك من فراغ ،بل كانت وراءه اسباب عديدة يمكن لنا هنا ان نستعرض جزءا منها .واهم تلك الاسباب والتي اقرّ بها واعتمدها جازما ،هي الارتباكات السياسية التي القت بظلالها على الواقع الاجتماعي والاقتصادي والفكري للمجتمع العراقي ،وما تلاها من حصارات داخلية وخارجية ، وما نتج عنها من حرمانات غطت على منهج العيش بين اغلب شرائح المجتمع . وادت الى الانغلاق الاجتماعي والانكفاء على الذات وخصوصا بين جمهرة المثقفين الذين كانوا يعيشون على واقع (وخير جليس في الزمان كتاب ) . ولغرض الوقوف على هذه النقطة وقفة متأملة فلابد من ان نذكر او نستذكر بعض العوامل التي أثر من خلالها الارتباك السياسي والتي منها ، الدفع السياسي للمجتمع باتجاه خندق الحروب والعسكرة والتي كان لها المساس المباشر بحالة العزوف عن متابعة الاصدارات والكتابات والتي اثرت بالتالي على الاستقرار الفكري والحياتي والسايكولوجي للانسان العراقي .فمن المعروف ومن الناحية المنطقية والعلمية – ان البناء التحتي لاي مجتمع يحدد شكل البناء الفوقي ، ومن ضمنها ثقافة الانسان وارتقاء افكاره ، والتي تعتمد اعتمادا اساسيا على الاطلاع والبحث والقراءة . وهنا نستطيع القول ان الثقافة وأحد مصادرها القراءة ، تكون محكومة ومحددة موضوعيا بطبيعة البناء التحتي للمجتمع ، بغض النظر عن مستوى التحضر والتخلف وفي جميع العصور والادوار . ولوعدنا بالذاكرة الى خمسينيات وستينيات القرن الماضي فاننا نستطيع القول ان الاجيال التي عاشت تلك الفترات كانت الاكثر قربا من الكتاب ففي ذلك الوقت ازدهرت القراءة وانتجت رموزا رائعة في كافة فروع المعرفة الانسانية كالعلم والادب والفن والسياسة وقد جاء ذلك نتيجة للاستقرار النسبي للوضع السياسي والاجتماعي في العراق وفي الوطن العربي عموما . ولم يات ذلك من فراغ بل جاء ايضا كثمرة طبيعية لاندفاع الناس نحو اقتناء الكتاب وميلهم الى القراءة وتاسيس مكتبات البيوت وحلقات الحوار التي كانت تقام في اماكن خاصة او في اروقة المقاهي والدواوين والمنتديات كما ان انتشار المكتبات الرسمية العامة في المدن والقصبات ساهم في خلق جيل يعشق القراءة ويبحث عن المعرفة .
وفيما بعد ، حصل التدهور التدريجي للثقافة والكتاب بسبب تفاقم الاوضاع السياسية وبالتالي الحالة الاجتماعية والنفسية للمتلقي والناس عموما بسبب غلق المنافذ المعرفية والانسانية والاصدارات الادبية والسياسية الحديثة امام المتلقي . اضافة الى المضايقات المتعمدة التي تعرض لها المثقفون نتيجة لهيمنة الثقافات الرجعية او المؤدلجة ذات الافكار التي تعتمد على الغاء وتهميش الاخر . وهذا الامر وحتى يومنا هذا بات يؤثر على العلاقة بين القارئ والكتاب الامر الذي جعل اغلب القراء يتركون كتبهم تنام على الرفوف ، او تعرض وبوضع مهين على الارصفة . كما ان تلك الضغوطات ساهمت في هجرة الكفاءات الفكرية والادبية والسياسية الى خارج القطر وبالتالي فقد الشباب احد عوامل دفعهم نحو الاطلاع والقراءة . فيما اصطفت بعض تلك الكفاءات مع الثقافات الهدامة و جوقة المطبلين لسياسات الانظمة المعروفة بعدائها السافر للافكار التقدمية وفي شتى الميادين ,وجرت حالة ما يسمى بفرض المفاهيم والقيم الايدولوجية التي تمثل الخط السياسي للسلطة وذلك عن طريق الضغط على المتلقي لتبني تلك الافكار والقناعات الفكرية والتي لا تتناغم مع توجيهات وتطلعات الشعب وقد تولدت نتيجة لذلك اشكال عديدة من الاحباطات والتذبذبات ، وازدواجية اوجدت لها حيزا من اللا شعور لدى الكثير من المتطلعين نحو القراءة ومصادرها . كل هذه الاسباب واسباب اخر لا مجال لايجازها ادت بشكل او بآخر الى ظاهرة اختفاء من يحملون الكتاب او يجالسونه في البيت العراقي . وبالتالي غياب الثقافة ذات المحتوى العلمي الحديث واختفاء عوامل التشجيع لاستعادة ما ضاع في ظل كل تلك المغصات . واحدث ذلك انعطافة كبيرة في مسيرة القراءة وبات العزوف عن مجالسة الكتاب علامة فارقة في جبين البحث عن كل ما هو حديث وحداثي . وهو الامر الذي يبشر بواقع ثقافي تتفاوت فيه النسب بشكل لم تألفه المجتمعات التي تعودت التطلع نحو الرقي .





