غرام الربيعي
يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ … المجادلة (11)
بهذه الآية الكريمة نعمل مع كل بداية عام دراسي و نتبادل التهاني لبدء مرحلة جديدة من العطاء والسمو مؤمنين بالبيت التالي :
فَفُز بعلمٍ تعش حياً به أبداً
الناس موتى وأهل العلم أحياء
ونرفع كثيرا من الشعارات التي تعلن غايتنا ومهمتنا إزاء كم هائل من الطلبة سنوياً لتحقيق خارطة عمل نتفق عليها لإحراز النتيجة المتوخاة من فكرة أو مهمة التعليم التي تبني عليها الشعوب والأمم بلدانها وتشكل صور حياتها كشعوب متحضرة تعمر الأرض بالجمال والمعرفة .إلا أن الواقع المرير الذي يحيطنا من كل صوب وأقصد تحديداً البيئة التعليمية من حيث إمكانية المعلم وجاهزيته للتعليم الناجح والمناهج التعليمية شكلاً ومضموناً ومن حيث توفرها بين متناول الطلاب في الوقت المناسب المصاحب لبدء الدراسة في كل عام ،ناهيك عن القوانين المرافقة للعملية التربوية والتي تغير فعلها من قوانين منظمة إلى قوانين مربكة لكل الأطراف المتعلقة بالموضوع ويضاف لها المشاكل التي ارتبطت بالتعليم وهي خارج نطاق عملها مثل مشاكل التهجير والنازحين والمتاعب الاقتصادية للعوائل والاجتماعية المختلفة والمستجدة بسبب الظروف المتعاقبة على الحياة العراقية .
فما عاد اليوم الأول هو احتفال بالسنة الجديدة والتي كانت من مظاهرها استلام كتب جديدة وقرطاسية جميلة والتباهي بلبس الزي الجديد والمباشرة بمرحلة جديدة والتعرف الى أصدقاء جدد والاشتياق الى الاصطفاف بساحة المدرسة والتخشع بسماع النشيد الوطني وبعض القصائد . المقال لا تكفي مساحته لسرد الحكايات والوجوه الشاحبة المتذمرة من استلام كتب ممزقة وقديمة ومهددة بالتغيير على فجأة والملابس المكررة للتقشف المادي للعوائل و اهمال النظافة للمدارس بسبب عدم كفاية تشغيل عاملات وعمال النظافة والمقاعد المكسورة المتعبة إن وجدت وهذا كله ينعكس على المعلم والمدرس الذي لم يعد يمتلك تبريرات لكل ذلك وهو أصلا يعاني من قرف الواقع والقوانين التي تتغير بين ليلة وضحاها بحجة مساعدة الطلاب ومراعاتهم بسبب الظروف الراهنة التي جعلت من الطالب يتكئ على ادوار الامتحانات الثانية والثالثة ولم يعد المدرس يلحق عملية تحضير أسئلة وأجوبة وكثرة تصحيح للدفاتر استهلكت اندفاعه لهذه العميلة التي أصبحت بحكم لعبة الزار وكل حظه .حتى تحولت صورة المعلم التي كادت تصل به إلى أن يكون رسولا صورة ضبابية هشة غير محترمة أمام البعض من الطلاب وذويهم لأن كلا يبكي على ليلاه ولم يعد الهدف هو تخريج طلاب بمستوى علمي مرموق، فقط مجرد عبور .
فغابت عنه كلمات الثناء والتقدير والانبهار باعتباره نبراساً للأجيال وخصوصا بعد امتهان البعض من الكوادر إلى التدريس الخصوصي أو الخضوع للتهديد أو قبول الأعذار وما يتبع ذلك من أمور هوت بشخص المعلم الى النكوص أمام طلابه ،وما عاد المعلم ينتظر أفكارا ملهمة من طلابه المتذمرين من كل شيء .
ولم نعد ندري على من نرمي أسباب الفشل ونحن محرجون (فالفاشلون ينزعون إلى تحميل العالم جريرة فشلهم ) كما يقول إيريك هوفر الفيلسوف الأخلاقي والاجتماعي الأمريكي صاحب كتاب محنة التغيير .فاللوم يقع على عاتق الجميع وفعلا أصبح التغيير محنة يعاني منها جميع مجتمع التعليم وواقعه .فلم يعد الطلبة نماذج مشجعة للتقدم والتنافس في المعارف والمعلومات . ولم يعد الطالب يرى ان العيش بين أناس احتضنوا العلم وعشقوا الحياة وتغلبوا على مصاعبها بالعلم والمعرفة هو جميل أو مؤنس وماعاد يرى المعلم شمعة تحترق لتنير الدرب لهم .فالرشوة والمحسوبيات والاعذار لها الوقع الأجدى لنيل الدرب ولم يعد المعلم هو العمود الفقري في العملية التربوية لأن ظهره مكسور في تحمل متاعب الحياة ومتاعب المهنة وصار يحلم خجلاً من مقولة : (قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا ).





