كتاب الحقيقة

هذيان أردوغان ومستقبل العراق

حازم مبيضين

 

بلغة سوقية يختص بتداولها الزعران والشقاوات، شنّ السلطان العثماني هجوماً شخصياً لاذعاً يتسم بالبذاءة وطول اللسان، ضد رئيس الوزراء العراقي الدكتور حيدر العبادي، متجاوزاً كل شكل من أخلاقيات التخاطب وآداب البروتوكول المتداولة بين الرؤساء والدبلوماسيين، وهابطاً باصول التعامل بين المتجاورين إلى حالة من الاستعلاء الأهوج، الناجم عن لحظة هذيان وشعور فارغ بالعظمة، متلفظاً بعبارات أولاد الشوارع، سائلاً الدكتور العبادي من أنت؟والزم حدودك فأنت لست نداً لي ولا في مستواي،

وللحقيقة فإن رئيس الوزراء العراقي بالتأكيد ليس بمستوى أردوغان، الذي ينهل من قاموس غاية في التخلف من جهة، ومُغرق في الشخصنة، متوهماً أنه هو تركيا وأن بلاده لاتساوي شيئا بدون عنجهيته، ويبدو أنّ الرجل في حالة تخبط، تُنسيه أنه يرأس دولة إقليمية كبرى، في منطقة مُلتهبة، يصب فيها الزيت على نار الطائفية، ناسباً لذاته المريضة والمتورمة، شرف الدفاع عن الطائفة السنية، التي لم يطلب شرفاؤها منه الدفاع عنهم، وهم يقاتلون صنيعته من الدواعش، ومن هم على شاكلتهم من الحالمين باستعادة خلافة بني عثمان، بكل ما فيها من قسوة وتجبر ضد الشعوب الإسلامية التي حكمتها، وكان سوء حظ معظمها أنها تنتمي للقومية العربية، التي أنجبت نبي الإسلام، وتشرّفت لغتها بأنها لغة القرآن الكريم.أردوغان المتغطرس والمصاب بجنون العظمة، المتقلب ما بين لغة الاستعلاء، حين يتعامل مع قوة يظنها ضعيفة، وغير قادرة على الرد، ولغة الاستخذاء والضمور حد التلاشي، حين يجد نفسه بمواجهة قوة أكبر منه، مستعدة لتلقينه أقسى الدروس، كما حصل حين توهم قدرته على مجابهة الدب الروسي، لينتقل بعد اكتشافه الحقيقة الصادمة إلى تدبيج رسائل الاعتذار لموسكو، وكما هو حاصل في تجديد حلف التخاذل مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، رغم مزاعمه أنه المدافع الأكثر شراسة عن حلفاء الأمس من الإخوان وحماس، وإذا كان العراق يمر بظرف استثنائي، سيخرج منه منتصراً بالتأكيد، فإن أردوغان يتنمر دون حساب لردة الفعل، وهو يلجأ لزيف مشاعر العظمة والتفوق والطائفية البغيضة، ويرهن واقعه لأحلام استعادة الخلافة العثمانية، راكباً حصان دون كيشوت، طالما أن رد الفعل مؤجل مرحلياً، على عكس الحال مع روسيا وإسرائيل، وهو إن كان يزعم أن وجود عساكره في معسكر بعشيقة، جاء استجابة لطلب بغداد، وبناء على توافق الجانبين، وهدد أكثر من مرة بنشر الأدلة على ذلك، دون القيام بأي خطوة عملية لإثبات مزاعمه، فإن الحكومة العراقية تنفي ذلك من حيث المبدأ، وعندها تلجأ الكذبة التركية إلى أربيل عاصمة إقليم كردستان لتأكيد مزاعمها، لكن حكومة الاقليم ورغم حسن علاقتها مع أنقرة، تتحدث عن علم وزارة الدفاع العراقية بوجود المعسكر التركي في بعشيقة، لكنها تحجم عن القول إن القوات التركية موجودة بناء على طلب أو اتفاق مع أنقرة، ويمكن فقط تصديق الرواية التركية، إن اعتبرنا أن الأخوين النجيفي، يمثلان الحكومة العراقية بكل أطيافها، مع أنهما يعملان على تشكيل ميليشيا طائفية، لمواصلة خوض المعارك مع الكثير من الأطراف العراقية، بمن فيها أطراف سنيّة، دفاعاً عن مصالحهما الشخصية لا أكثر ولا أقل.

واذا سلمنا جدلاً بأن حكومة عراقية طلبت تواجد قوة تركية على أراضيها، فإن الحكومة الحالية ترفض ذلك، وطالبت تركيا رسمياً، وأكثر من مرة بسحب هذه القوات، مؤيدة بموقف أغلبية أعضاء البرلمان.

 وإذ يُجاهر النجيفيان برغبتهما في استمرار الاحتلال التركي لبعض أرض العراق، فإن بقية الأطراف السُنيّة أيدت الموقف الحكومي، كما طالبت خمسة أحزاب كردية، ليس من بينها حزب بارزاني، أنقرة بسحب قواتها.

 وبالرغم من كل هذا، يُصر أردوغان المتفلت من كل عقال، على تقديم مساعدة للعراقيين لم يطلبوها ورغم أنوفهم، معرباً  عن دهشته من المطالبات العراقية، ومُصراً على أن الوجود التركي العسكري في شمال العراق غير خاضع للجدل، وربما يتطور مستقبلاً إلى استجابة لمطالب بعض النفعيين، بضم بعض العراق إلى خلافة بني عثمان القديمة المتجددة.وبعد فإن العراق لم يستغل إمكاناته، للرد على الغطرسة التركية واستعلاء أردوغان، مع أنه ليس سراً امتلاك بغداد الكثير من الأوراق، ولانتحدث هنا عن أمور شكلية، كقطع العلاقات وسحب السفراء أو تخفيض التمثيل الديبلوماسي، وإنما عن إجراءات مؤلمة، كالبحث عن مخارج جديدة للنفط، وأسواق جديدة للواردات، علماً بأن تجارة العراق مع تركيا تزيد عن 15 مليار دولار، بمقدور بغداد أن تستغني عنها، وإن أدى ذلك لبعض الاذى للعراق، لكن تأثير ذلك على تركيا سيكون مؤثراً وفاعلاً، وهي خطوات يمكن أن تسبق تحرير البلاد من الدواعش، ليتفرغ العراقيون بعدها لأردوغان، الذي يقامر بإثارة غضبهم عرباً وكرداً وسنة وشيعة، حيث أن المسألة باتت متعلقة بالكرامة والسيادة الوطنيين، وعندها فقط سيتوقف أردوغان عن تصريحاته الفوقية البغيضة، وسيجد نفسه مُجبراً على أمر قواته بالانسحاب.

وإذا كانت أميركا بعظمتها، لم تتمكن من الصمود في العراق، فإن على الخليفة الموعود فهم أنه لن يكون قادراً على البقاء هناك مدة أطول، وستذهب كل عنترياته كزبد البحر، بينما يظل في الأرض ما ينفع العراقيين ووطنهم.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان