وليد كريم الناصري
استفاق الأمير الحالم من غفوته، متكئا على عرشه الذي بدى متآكلا، تنخر أركانه أصوات الفقراء، وهو يعالج عينيه بيديه الملطختين بدم الأبرياء، كانت رحلة حلم جميل، وهو يعيش فيه زمن السلاطين والقياصرة والأباطرة! تارة يرى نفسه السلطان “عبد الحميد العثماني”، وتارة يرى نفسه بملابس “سليمان القانوني”، صنع لنفسه مجداً ما كان ليفكر به حتى “الذئب الأغير- أتاتورك” (أبو الأتراك)، قائد الحركة التركية الوطنية، أعقاب الحرب العالمية الأولى. يرى الأمير الحالم بنفسه “سليمان النبي” بُعثَ لينقذ الأتراك مما هم فيه، ويعيد لهم شرف الخلافة على الأمم العربية والإسلامية، وإنه قادر على قيادة الحروب والمعارك ضد جميع تلك الدول، وإرضاخها تحت سطوة حكمه كما فعلها أبو الأتراك، ( مصطفى كمال) من قبل، وانتصر على اليونان عام 1922، وعمل على ترحيل تعاليم الدولة الإسلامية من تركيا، ليحل محلها الدولة العلمانية! والتنكر حتى للغة القران “العربية” وإستبدال الأحرف العربية، التي تكتب بها اللغة التركية، بأحرف لاتينية، وتحويل نظام الحكم الى جمهوري دكتاتوري بالقوة. الشيء الخطير الذي لم يدركه ذلك الأمير إنه “كان يحلم”! وأن عصر القياصرة والسلاطين ولى منذ زمن، وحل محله عصر الحكومات والديمقراطية, والسلطة التي مصدرها الشعوب، وإذا ما كان “لسليمان القانوني” أو “أتاتورك” كلمة على حلفائه في العالم فأن “أردوكان” الحالم ليس له كلمة حتى على شعبه وخواصه ممن حوله، خصوصاً بعد كثرة المعارضين لحكمه ليلة الإنقلاب في تركيا، وعليه أن يتهيأ للمصير الذي إنتهى إليه رؤساء الدول في المنطقة، “صدام” و” القذافي” و”مبارك” و “مرسي” وغيرهم. بدى لبعض المتابعين للشأن الدولي الساخن، بأن “أردوكان” بدأ يفهم خيوط اللعبة، وأخذ يتنازل عن بعض أحلامه الوردية شيئا فشيئاً، خاصة بعد التقارب الكبير بينه وبين روسيا، الذي جاء بعد أن إشتدت وتيرة الأزمة لدرجة التهديد والوعيد بينهما، لم تكن حسابات “أردوكان” وتصرفاته على قدر الصحة والمسؤولية، بكسب ود باقية الإتحاد السوفيتي، بوجود إيران الحليف الفعال لروسيا، والرافضه لتواجده شمال العراق، كما وكان عليه أن يضع إتزان للمعادلة، ( الأميركية – الروسية)، والتي لا تقبل القسمة على إثنين. بدأ “أردوكان” خطواته الأولى لتحقيق أحلامه العالقة بجوفه، من أرض العراق، فأعلن عن تواجده في “بعشيقه” شمال العراق وراح يستجدي الرأي العام من حلفائه في المنطقة، وهنا غاب عن ذهنه الكثير من الأسس والحيثيات، في مقدمتها أن الحكومة العراقية، اليوم لاعب أساسي في الدبلوماسية الدولية، وأن أمريكا أو روسيا لا يمكن الإعتماد عليهما، في شيء يهدد مصالحهما مستقبلاً، إضافة الى وجود الجيش العراقي وفصائل الحشد الشعبي، والتي باتت لاعبا أساسيا للحسم العسكري، والسياسي في المنطقة. وأخيراً ليفهم “أردوكان” بأن المصالح الدولية، سرطان يهدد أواصر التحالف والشراكة بينه وبين الأخرين، والحكومة العراقية والجيش العراقي والحشد الشعبي، أضف لها المصالح الدولية، التي لا تتطابق مع رؤى “أردوكان” غيرت إتجاه السفينة بما لا يخدم مصالحه ووجوده، خصوصاً اليوم وحتى الخطاب الخليجي السعودي والقطري، الداعم للإرهاب بدا تنازل شيئا فشيئا، وأخذ يصور معركة الموصل الأخيرة ضد عصابات داعش الارهابية، على أنها حرب مشروعة، وأن العراقيين تحملوا أوزار تلك الحرب بالنيابة عن العالم.





