د. عبد الله راضي
إلى ( الإعلامي الغيور / وجيه عباس )
يقول ( جحا ) توجهت ذات مساء إلى مقهى الحارة ( حارة أم البلاوي ) ، فرأيت صديقي الحميم ( أبو العجب ) جالسا إلى جانب رجل ( بدوي ) لم أره من قبل ، وطلب صديقي مني الجلوس فجلست معهم . نظرت إلى الاعرابي ، فرأيته كسير الخاطر ولباسه بائس مما أثار فضولي ، سألت البدوي : ما الخطب يا أخا العرب ، وما الذي أتى بك إلى المدينة ؟ نظر الي برهة وتنهد وقال : ” لما ضاق الرزق علي في البادية ، ضاق صدري ، وودعت عيالي وتوجهت إلى المدينة ممتطيا ناقتي مع بضع متاع وأكياس من الملح ، ولعلي أحظى بشيء من الرزق في المدينة . في منتصف الطريق التقيت بإعرابي يمتطي فرسا ، وأشار لي بالوقوف ، فتوقفت . وبعد السلام سألني : إلى أين أنت ذاهب يا أخا العرب ؟ قلت إلى المدينة لأكسب رزقي بعد أن ضاق علي في البادية . قال الأعرابي : إن في المدينة ملكا جبارا . قلت : وما شأني به . فقال : إنك تسير في الاتجاه المعاكس . قلت له : وهل أنت ذاهب إلى البادية ؟ قال : كلا ، سأذهب إلى بلاد أخرى لأكسب رزقي . وذهب كل منا صوب مقصده . وبعد العديد من السنوات ، شاء القدر أن ألتقي ” الأعرابي ” في وسط المدينة التي غادرها . وبعد السلام والعناق ، سألني الأعرابي : كيف حالك ؟ أجبته كما ترى ، فقدت ناقتي ، وفقدت اتصالي بعائلتي ، ومصدر رزقي عسير . ضحك الأعرابي وقال : لقد قلت لك أنك تسير في الاتجاه المعاكس . فإني اليوم أملك وجاهتين ، وجاهة في البلد الذي قصدته ، وأخرى في هذه المدينة بعد ذهاب الملك الجبار . وأراد أن يكمل تفاصيل حاله ، فقاطعته : لا داعي لذلك ، لأن كل شيء واضح ، ويبدو أنك أجدت لغة الفذلكة والحذلقة والسلوك الانتهازي هناك لتحقيق الوجاهة والموقع المرموق ، وانتهاز الأجواء التي تخدمك في مدينتك الأصل أو البلد الذي قصدته ؛ لكن بودي أن أبلغك بأن البدوي العربي الأصيل لا يستطيع أن يتبنى سلوكا كهذا أو ينزع جلده ويبدله كالأفعى وحسب الحاجة . وأخيرا ، يقول البدوي سألت الأعرابي : من أي الطيور أنت ؟ وإلى من تنتمي ؟ هل لمدينتك الأصل الأم وأهلها أو للبلاد التي كنت فيها ؟ أجاب : إلى البلاد التي كنت فيها . وهنا انفجر البدوي بالبكاء بسبب حنينه إلى البادية وأهلها .
فأربت على كتف البدوي ، وقلت له لا تعجب ولا تستغرب من ذلك . لقد كنت قبل أيام في زيارة لإبنتي في مدينة ( الواق واق ) المجاورة للعراق ، ورأيت ما يثير العجب حيث أن الفقراء والصادقين والشرفاء من أبناء المدينة قد وقعوا ما بين مطرقة تجار السياسة الذين هاجروا المدينة وعادوا لها ، وبين سندان بعض المرتزقة والوصوليين المحليين من أذناب حكم طغى وبغى ، هؤلاء الشرفاء والفقراء الذين عانوا ما عانوا من الحاكم الجبار. وسمعت لتجار السياسة طنينا يطالبون فيه بحقوقهم ( الجهادية ) التي حرموا منها وهم في دول المهجر ذات الخمس نجوم ، وبدؤوا بأخذ السحت الحرام ، وهم يرقصون على جثث الشرفاء الأسود والشجعان الفقراء من أبناء مدينتهم الذين يقتلون مجددا بأبشع الصور، وينطبق على هؤلاء الكلاب من التجار قول الشاعر العربي : ـــ
لا تأسفن على غدر الزمان لطالما
رقصت على جثث الأسود كلابا
ولا تحسبن برقصها تعلو على اسيادها
تبقى الأسود أسودا والكلاب كلابا
وقلت لصهري المتذمر كحالك ، إن مصير هذه الكلاب شبيه بما قالته ( أم الملك عبدالله الصغير ) / اخر ملوك الأندلس / لابنها الذي نسي شعبه وخسر ملكه : ــ
إبك كالنساء ملكا مضاعا
لم تحافظ عليه مثل الرجال
وكما يقول المثل الشعبي : إن بعضهم انتقل من ( الهوش إلى الماكنتوش ) حيث صدموا ، ولم يستطيعوا فهم حساب التاريخ . وما عليك يا أخي البدوي إلا أن تقيس على ذلك .
وهنا تبسم البدوي وشكرني على تهدئة روعه ، وطلبنا منه عدم الاستسلام للأراذل .
( والعاقل يفهم )





