كتاب الحقيقة

الثقافة المأزومة

غرام الربيعي

 

سُئلَ نابليون : كيف استطعت أن تولد الثقة في نفوس أفراد جيشك ؟

أجاب : كنت أرد بثلاث على ثلاث … من قال لا أستطيع قلت له ..حاول ، ومن قال لا أعرف قلت له .. تعلم ، ومن قال مستحيل قلت له ..جرب .

هكذا تحاول الناس ممارسة الحياة دون وجل ولا يستدعي ذلك خجلاً أو تردداً لأن الغاية العظمى من الحياة ممارستها بالممكن الصحيح وبالأمل المأمول ،فمقاييس النجاح والفشل لا تشبه تماما ما تطرحه العقول الشرقية المتأزمة بالنتيجة الحتمية المقرونة بالنجاح الحتمي واللازم وإلا فالطريق في منطقة الموت والنهاية غير قابلة للنقاش .

المجتمعات هي مَن ترسم رؤى حدود الحياة لها وهي من تمنحها ألوانها ومفاهيمها ولا بأس هنا على أن تخلق عالما آمناً تمارسه بأقل الخسارات وأعظمها خسارات الروح والذات التي تهزلها الأسباب فتموت حية وينقطع عطاؤها بسبب تعقيدات يتصورها الانسان هي مطالب تحقق له مآربه المختلفة .

يحدث كثيراً أن ترتبط الحاجات الشخصية بأسباب ذاتية و واهية ترتبط بثقافة مأزومة محيطة ومشكلّة لحاضنة تلك الأفكار مما يجعلها ميتة قبل ولادتها لأنّها ضحية تعقيدات التشكل الوعي المختنق بعقدة الخواجة من جهة والتحرر من المعتادات كإرث أو واقع أو الفهم الممزوج بالاحتمالات الكثيرة المسبوقة بكلمة اعتادتها الذات العربية والشرقية تحديدا (أخاف ) ،أخاف أذهب أخاف أحضر أخاف أتكلم أخاف أفشل …. فلغة الخوف تسبق كل خطوة فالمحاولة والتعلم والتجريب لغة تكاد تكون مبعدة عن جرأة المحاولة ،وكأن مقاييس ما يحدث هو أية قرآنية لا يمكن تحويرها أو تغييرها حسب متطلبات الحال ،في وقت يطالب الجميع بالتغيير والتطوير ويرى ما يصنعه الغرب جميلا ومدهشا ومثيرا للاهتمام ومسلّما بقبوله وتداوله لكنه يجهش بأي لحظة للتهجم على كل شيء ،يصاحب ذلك اهمال للتراث ومعطيات التاريخ والكنز التي خلفته حضارتنا القديمة من علماء وادباء وتجارب أغنت العالم ولم نغتنِ منها .

مشكلتنا كمثقفين لا أجد بيئة تحتمل كل التأويلات الممكنة ليمر الزمن دون أزمات أو تعارض أو اختلافات مشوهة بثوب الخلاف فصرنا جاهزين لأي تخالف لعدم اطمئنان الذوات المشتغلة بهذا الوسط ومرايا لانعكاسات سياسية مشوهة واجتماعية مضطربة واقتصادية مخيفة مع فقدان النظام والقانون لكل شيء .

حين نتجاوز سياقات في ستينيات و سبعينيات القرن لتنحدر إلى أسوأ مسمى وتشبيه للعلاقات الإنسانية هذا  يعني أننا نحتاج إلى كثير من القراءات التي تستعيد مفاهيم كانت هي الأصل في التواصل الانساني وبيان خريطة حياة ثقافية نزعم أنها ترسم للأجيال رؤاهم المستقبلية .

حتى العالم الذي ربطته شبكات التواصل صار يخلق تجمعات وتحزبات متنافرة مؤهلة لأي خلاف يتعذر بالاختلاف ، فصنع هذا العالم من القرية الصغيرة المرتبطة بفضول المعرفة والتداول إلى قوة مدمرة لأي بنية انسانية محتملة ،وإلا ماغاية رجل ينتحل صورة وصفحة امرأة وبالعكس! ، ما غاية شخص ما يتهجم على رأي خاص لأحد ما ،ما غاية العتب المتكرر لأحد ما على أصدقائه يجبرهم على المرور ببصمة لايك  أو تعليق متناسياً الحرية الشخصية والأسباب الخاصة! ،ما غاية أن يتحكم أي شخص بتكوين رأي عام لأي موضوع ،ماغاية اعتبار الفيس تواصلا اجتماعيا أصلاً….الأمثلة كثيرة توضح عدم استرخاء ثقافتنا وعدم تمكننا  التعاطي مع العالم المتسارع في التغيير ولغته المنتشرة في عقولنا وسلوكنا ،ندري أو لا ندري .فعبودية المثقف لأفكار راسخة في دهاليز الفكر وخشيته الدائمة من الاستبداد  للسلطة جعل من الأزمة الفكرية تسقط بضلالها على سلوكه المتذبذب بين الحلم والحقيقة ،بين الراسخ والمتغير ،بين اللابد والممكن ، المباح والممنوع، وعليه أرى أننا تحت أزمة ثقافية بسبب الثقافة المأزومة .

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان