كتاب الحقيقة

النبش في المهم وترك الأهم

علي علي

 

 

   في صبيحة يوم جمعة من عام 2007 خرج صديقي بسيارته الـ (BMW) لجلب فطور لعائلته، وفي الإشارة الضوئية داهمته سيارة بشكل غريب واستوقفه سائقها عنوة، وتحت تهديد السلاح أجبره مع اثنين بصحبته على ترك سيارته والترجل منها، وقيدوه في الشارع على مرأى المستطرقين الذين لاحول لهم ولاقوة إلا التفرج، من دون أن ينبس أحدهم ببنت شفة، واستقل أحد الثلاثة سيارته حيث ذهبا الى جهة مجهولة، وعاد صاحبي أدراجه الى منزله من غير الـ (BMW) ولا حتى خفي حنين، وشكرنا الله على سلامته وهدأنا من روعه من باب (بالمال ولابالعيال). وبعد سويعات اتصل به شخص غريب طالبا منه (دفتر) لإرجاع سيارته، وبما ان مبلغ السيارة آنذاك كان أكثر من ضعفي هذا المبلغ، وافق صاحبي دون تردد، واتفق معه على موعد لاسترجاع الـ (أمانة) بعد تهديد صاحبي وأمره بأن لايجلب معه أحدا. أما المضحك المبكي في الأمر فهو ان  صاحبي بعد ان سلم مبلغ الفدية واستلم مركبته بادره السارق قائلا: (بس عن الحلال والحرام ابرينه الذمة أكو شيشة ريحه چانت بالدشبول أخذناها). انتهى موضوع صاحبي وكفى الله قارئ سطوري من كل مكروه.

  يذكرني هذا الحدث بمشاريع أو قوانين سبق لها ان طرحت على طاولة مجلس النواب، إلا أنها أجلت من فصل تشريعي الى ثانٍ، ومنه الى ثالث ثم عاشر الى أن أدرجت في رفوف عليا فعلاها التراب وباتت قوتا لـ (دودة الأرض). من هذه المشاريع مشروع قانون يمنع مزدوجي الجنسية من تولي مناصب حكومية، الذي قال عنه المستشار الاعلامي لرئيس الوزراء أن القانون أقر داخل مجلس الوزراء وأرسل إلى مجلس النواب لإقراره.‏ وهو يشمل المناصب السيادية من وزراء ونواب ومحافظين وسفراء وضباط، وخيّر مزدوجي الجنسية بالتخلي عن مناصبهم أو جنسياتهم المكتسبة. وكالمعتاد ذهبت فيه القوائم والكتل كل الى مذهب، فمنهم من عده مخالفا للدستور، ومنهم من عده مطابقا له، ولكل حججه وأسبابه، فمن قال بمخالفته اعتمد على ان الدستور سمح للعراقي بازدواج الجنسية ماعدا المناصب السيادية المتمثلة بالرئاسات الثلاث والأمنية كوزيري الداخلية والدفاع. ومن قال بموافقته الدستور تذرع بأن عدداً كبيراً من حاملي الجنسية المزدوجة هم معارضون، هربوا من ظلم النظام السابق الى دول منحتهم الإقامة ومن ثم الجنسية ومن غير المنصف استبعاد هؤلاء.

   إن الدستور العراقي وقانون الجنسية العراقية قد أجازا للمواطن العراقي حيازة جنسية بلد آخر، إذ أن أعداد العراقيين الذين فروا من وطنهم في الربع الأخير من القرن المنصرم بلغت رقما لايستهان به، ومنهم نسبة عالية من ذوي الكفاءات والشهادات العليا والتخصصات النادرة عالميا، ومنهم من تبوأ مناصب مرموقة في تلكم البلدان، وأغلبهم تصاهر وتناسب في زيجات مكونين أسرا شق أبناؤها طريقهم في مجالات الدراسة والعمل في شتى المجالات. أما فيما يخص من عاد الى أحضان بلده العراق وشغل منصبا رئاسيا او وزاريا أو خاصا او حتى موظفا بسيطا فيه، فمن الأولى بان يكون ولاؤه لبلده الأم، وفق ضوابط وشروط وقيود صارمة، تحتم عليه الالتزام بما يخدم العراق والعراقيين، وهذا عادة ما يستوجب التخلي عن جنسيته الثانية، لكي لاتسوغ له التلاعب والمراوغة في أداء ما منوط به من واجبات.

أرى أن قانون الجنسية المزدوجة الذي تتقاذفه رئاسة برلماننا من جلسة الى أخرى، له أولوية وأحقية في القراءة والبت، لما له من أهمية كبيرة تفوق كثيرا قوانين أخرى، ليس الأوان أوان قراءتها، إذ ستفتح الرئاسة حينها أبواب الناقدين من المواطنين، والممتعضين من سلوكها في المماطلة بالقراءات المهمة، وتعجيلها بإقرار غير المهمة، وسينطبق عليها مثلنا القائل؛ (عرب وين طنبورة وين؟)

aliali6212g@gmail.com

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان