عدنان الفضلي
قبل يومين كانت معنا ضمن تجمعنا الإسبوعي في شارع المتنبي، تضجّ فرحاً، وتحدثنا عن بيتها الجديد الذي استأجرته، وعن الجهد الكبير الذي بذلته هي وعائلتها في نقل الأثاث وترتيبه، مشيدة بنوع من السخرية الجميلة بالجهد الذي بذله ولدها وصديقنا المخرج غزوان الشاوي، وعن ما صرفته من مبالغ كبيرة جراء هذه الإنتقالة من بيت لبيت.
قبل يومين كانت تعتذر لأنها انشغلت عنا في الفترة الأخيرة ولم تطبخ لنا كعادتها وليمة نتناولها جميعاً في القشلة بشارع المتنبي، لكنها وعدتنا ان الإسبوع المقبل ستجهز لنا وليمة كبيرة، تعوضنا فيها.
قبل إسبوع قامت بترميم (اليلگ) الصحفي الذي ارتديه بعد ان شاهدت جيوبه وقد تهدلت بعد عطل (السحابات) واعادته لي بيد غزوان وقد عاد جديداً حيث انها خياطة ماهرة وتجيد ترميم الأشياء.
قبل اسبوعين سلمتني (علاگه) قالت انها هدية منها الى ابنتي شكران (شوشه) بمناسبة العام الدراسي الجديد وكانت تضم حقيبة واكسسوارات جميلة، وقالت لي إن البنات الصغيرات يعشقن هذه الاكسسوارات.
قبلها وبفترات متعددة كانت وبيديها الرائعتين تحضر لنا ما لذ وطاب من الولائم والأطعمة والمشروبات، تأتي بها الى شارع المتنبي او ترسلها بيد غزوان الى الصومعة، وكنا نكافئها باننا لا نعيد لها أواني الطبخ (الجدوره) وان اعدناها لها فانها تكون ناقصة للأغطية (القبقات) ولم تزعل يوماً، بل تكتفي بالسخرية من عبثيتنا.
قبل يومين قررت ان تحجّ الى المتنبي (حجة وداع) فقد قرر القدر ان يحرمنا من رؤيتها ثانية، بعد ان كان بانتظارها وهي تعود الى بيتها، لنصبح نحن مثل اليتامى الذين فقدوا الحضن الدافئ الذي كان يحتوينا رغم كل عبثيتنا وجنوننا، فنحن أسوة بولدها غزوان سنشعر بهذا اليتم، لكن عزاءنا فيها انها رحلت وتركت في ذاكرتنا الجمعية صوراً من المحبة والطيبة والرقة والرقي، وحتماً، بل هو اليقين ان جميع الأصدقاء الذين يعرفونها، لن ينسوا كل ما قدمته لنا، وستكون حديث مجالسنا ونحن نستذكر من دون انقطاع حسناتها تجاهنا.
ختاماً أقول إننا خسرنا إنسانة كبيرة وعراقية تحمل الكثير من الهم العراقي، وسيدة لا تجيد سوى بث الفرح والطمأنينة من منظومة الرقي التي تمتلكها، فالف الف رحمة ونور على روحها الطاهرة، وسلام على سلمى يوم ولدت ويوم ماتت ويوم نجتمع معها سويا.





