كتاب الحقيقة

أزمة تسويق الكتاب في العراق

عدنان الفضلي

 

معاناة المثقف العراقي من فشل المؤسسة الثقافية في تسويق النتاج الإبداعي ليست وليدة اليوم، ففي جميع الحقب كانت تلك المعاناة متواجدة، ولكن لو توقفنا عند حقبتين هي حقبة (صدام) وحقبة (مابعد صدام)، لوجدنا تشابهاً في قضية التسويق، ففي زمن صدام كانت المؤسسة الثقافية مؤدلجة تماماً، وبما ان تلك المؤسسة كانت تقاد من قبل المؤسسة الحزبية (البعث) لذا كان التوجه في صناعة الكتاب يميل الى غلق الأبواب بوجه كل مثقف لم يكن مع ذلك الحزب، وخصوصاً المثقفين اليساريين، وبما ان الثقافة العراقية في جلها ذات طابع يساري، فقد انزوى الكثيرون من المبدعين العراقيين، لعدم وجود نافذة يبثون من خلالها ابداعاتهم، ومازاد المثقف العراقي عزلة هو ان المؤسسة الثقافية في العراق آنذاك قررت منع استيراد الكتب والمجلات العربية والعالمية، وذلك لاحكام الطوق على المثقف العراقي وحصره في بوتقة الثقافة المؤدلجة، وكان المستفيدون من هذه العزلة هم المداحون والمطبلون للبعث الصدامي، حيث هيمنوا على جميع مفاصل المؤسسة الثقافية وصارت صناعة الكتاب محصورة بهم، حين رفعوا شعار او مصطلح (أدب المعركة)، وصاروا يمجدون القتل والدمار وقائدهم الضرورة.

واليوم لم يختلف الوضع كثيراً، فصناعة الكتاب مازالت متعثرة،  حيث لم تتمكن دار حكومية واحدة من استيعاب النتاج الابداعي العراقي الذي صار يتزايد بشكل كبير ولافت،  ونتيجة لهذا، مازال الكثير من المبدعين يعانون، فيما يتعلق بنشر منجزاتهم، وبذلك اصبحت الثقافة اليسارية شبه محاصرة،  حيث يبدو ان باقي الثقافات تتهيب منها، وتشعر قبالتها  بالدونية، كما حاول كثير من المثقفين غير الثابتين على موقف، التماهي مع الخطاب الطائفي، الذي يريد له البعض ان يتسيد المشهد، وهؤلاء انتهزوا الفرصة وتقربوا من المسؤولين في الدوائر والمؤسسات الثقافية، من أجل طبع منجزهم، بينما كان نصيب الكثير من  المثقفين الحقيقيين الوقوف في طابور الانتظار، حتى يعطف عليهم مسؤول ما ويسمح لهم بطرح منجزهم.

قبالة هذا  لم يجد من لم تتح له الفرصة المناسبة غير اللجوء الى دور النشر المستقلة او الاهلية، التي انفتحت على الجميع ، وصارت تطبع المنجز العراقي من دون النظر للانتماءات السياسية والفكرية والدينية، وبذلك حصلنا على كم  كبير من النتاج الابداعي، الذي طرحته  تلك الدور التي يشار لها بالبنان، ومنها  مؤسسة المدى ودار ميزوبوتاميا ودار ومكتبة عدنان ودار الجواهري ودار ومكتبة سطور، وغيرها من دور النشر الأخرى، حيث طبعت هذه الدور آلاف العناوين وسوقتها بصورة جيدة من خلال معارض الكتاب المحلية والعربية والعالمية.

 من هنا، ورغبة منا في ان تنهض صناعة الكتاب العراقي وتصبح بمستوى الطموح، نرى ضرورة ان تنظر الدولة في هذا الامر وتوليه عناية خاصة، من خلال دعم هذا القطاع وتاسيس اكثر من دار نشر، وليس بالضرورة في العاصمة بغداد، بالاضافة الى اعادة الروح للدار الوطنية للنشر والتوزيع، التي باتت مشلولة بعد خصخصتها في عقد التسعينيات اثناء الحصار، لكي تكتمل صناعة الكتاب العراقي طباعة وتوزيعا، لتكون بمستوى الابداع العراقي الذي يستحق ان يدعم ويحتفى به.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان