كتاب الحقيقة

آفة تقتل الملامح

غرام الربيعي 

 

وأنا أقرأ في أحد الكتب شدّتني عبارة 

الصينيون يقولون : الحياة قصيرة فلا وقت عندنا لكراهية أحد .

كلام أكثر من جميل ، لكن الأهم من جماليته في التعبير عن الحب هو  عدم الإنشغال بمن لا نحب أو لماذا لا نحب .ولأنني ممن لا يملك  وقتاً للكراهية ،فكرت في كتابة هذا المقال تزامناً مع أحداث كثيرة تحدث حولنا لها علاقة كبيرة بهذا الوصف ،أهمها إهمال الكثيرين لأعمالهم والبحث عن حلول لمشاكلهم أو البحث عن طريقة لسد احتياجاتهم الحياتية المختلفة والمشروعة والإنشغال بهذا وذاك لقتل الفكر والروح والجسد بصغائر الأمور والحديث غير الجاد وبلا أي منفعة تُذكر سوى اللهو بسيرة الناس ومشاغلها ،وبالتالي يسبب بكثير من النفاق والغيظ والكراهية .

 أكيد جميعنا نعرف هذا الكلام ،لكن السؤال هنا مَنْ منّا لم يمارس هذا الشعور ؟مّنْ منّا استثمر انسانيته في العطاء للحياة أو للآخرين دون ضياع هذا الكم الهائل من الوقت أو التفكير واللغو في تبليط  المسافات وتهشيم العلاقات لنمو الآفات بين الناس والذات ؟

مّن منّا حصّنَ ذاته من التوغل في سفاسف الأمور؟ وكان سريعاً في تجنب الآفة كي لا تتلف فكره ثم تجري لتأكل من جسده أو تحوله إلى هشاشة واضحة بسبب تردّي الروح والنفس وهي تغوص في مياه الأحاديث الآسنة .

يحدث كثيراً وهنا اللعنة والمصيبة ،حين يكون ذلك ضرباً من ضروب السخرية بين أوساط المثقفين ،البعض يتحدث عن البعض وأصل الفكرة هي اختلاف بالرؤى والسلوك والأفكار والمخرجات الكلية لأي فرد ،إلا إن البعض يحورّها  ويحاورها بطريقة بشعة وسمجة ولا تمت للثقافة بصلة فكرياً أو سلوكياً ،وكل من الطرفين يتصور نفسه عبقرياً أو مرجعاً للكمالات أو التناهي في العلم والتسامي والأفضلية ،في حين لا حلّ منطقي ينتهي به السجال .(( المثقفون يأتون لحل المشاكل بعد وقوعها والعباقرة يسعون لمنعها قبل أن تبدأ )).أنشتاين

لذا علينا الإنتباه من مشاركتنا في صنع عبوة لقتل العلاقات الإنسانية فقط من أجل الثرثرة والتباهي بما لا يليق ،فكيف نحكم على سوء مايحدث حولنا أو ننتقد  وسائل التعليم والمناهج وأساليب التعليم المتردية الآن ،فانشتاين أكمل حديثه وقال : ((أفضل تدريس السلام على تدريس الحرب وتدريس الحب على تدريس الكراهية)). 

الإنشغال بالحديث من أجل الفتن والتحريض والغيرة والحسد والمقارنات واسقاط الآخر بحجج واهية ، يسبب التباغظ ويحول الانسان من منطقة اختلافه عن الحيوانات إلى مسخ

بلا ملامح بشرية .فترويض النفس على المحبة والتسامح ليست ضعفاً أو سذاجة كما يخال  إلى البعض ،بل هي القوة بعينها والجمال بلونه الحقيقي .

أكثر مااستفزّني لكتابة هذا المقال ،إنّ الكراهية صارت منهجاً خفياً وراء نفاقنا الإجتماعي وشعورنا المتسارع حول مايفعله الآخر لا حول مانفعله نحن ،وكل شيء صار نداً للمصالح الشخصية ،مما أرهق ذواتنا المتآكلة بفعل الظروف والسياسات ،وتهالكها أمام النفوس المريضة بحب الدنيا بطرق مشوّهة،أظنني هنا أقترب من كلام لنيلسون مانديلا :

((لايوجد إنسان ولد يكره إنساناً آخر بسبب لون بشرته أو أصله أو دينه .الناس تعلّمتْ الكراهية ،وإذا كان بالإمكان تعليمهم الكراهية إذاً بإمكاننا تعليمهم الحب ، خاصة أن الحب أقرب لقلب الإنسان من الكراهية )).لذا سمحت لنفسي أن أطلق درساً للتذكير .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان