خيرة مباركي
والفضاء المحدود الضيق وهو في النص فضاء داخلي تعلن عنه رؤية سردية نابعة من الذات المتلفظة ، وهو سرد ذاتي تعلن فيه الساردة حالة شعورية نابعة من النفس المثخنة بالحنين والشوق، إطاره الحاضر وسرده الآني المتواقت بين لحظة الكتابة ولحظة التجربة القصصية ..وهذا يحيلنا إلى البعد الثالث من أبعاد وحدة الانطباع وهو وحدة الفعل ..فلا تفريع في الحدث القصصي ولا تفصيل ..بل هو تواصل بين حدث خارجي هو التحول من السرير إلى الأريكة، ومن ثمة يبدأ فعل التذكر ،و يرتبط بدوره بذكرى واحدة هي القادح لتأليب الشعور والمسوغ للانفعلات الداخلية ، فترتبط بحدث آخر هو تفاعل الذات المتلفظة بهذا الحدث ، وهذا يجعلنا نقف إزاء ثنائية الفعل ورد الفعل ..وهذا يجعل من الفعل القصصي لحظة شعورية قصيرة جدا تتمدد وتتمطط بالخطاب …ولعلنا ندرجها ضمن ما اصطلح عليه بــ “أقصوصة الحساسية الجديدة ” التي تتعامل مع الزمان بكيفية تهشمه فيها تهشيماً لا كما عهدناه في “الفلاش باك ” في الأقصوصة التقليدية بل بهذا التردد بين الماضي والحاضر ..حتى أننا بتنا لا نفرق أحيانا بين المناجاة والتذكر ..بين السرد والحوار الباطني ..وهذا ما يجعلنا نفتقد إلى العقدة ..لتقحم الساردة عناصر الحلم والخيال و تدخل تجارب التخوم مركزة على العالم الداخلى الذي لا يقل أهمية عن عالمها الخارجي ..وبهذا تتجه إلى تفجير اللغة في اتجاه مزيد من المرونة والحيوية ..وهذا ما جعل النص قصيرا جدا يكاد يكون ومضة شعورية ولكنها كثيفة مركزة لا تخلو من قصة تتعلق بأشياء الروح والنفس الباطنة لا بأشياء الخارج ..أحلاما ورؤى ..ومساحات وصف وانفعال كل ذلك مما ينطبق عليها تجارب التخوم ..وهذا ما يوصلنا إلى الشعرية ..وهي شعرية نابعة من هذا التصوير الفني في رصد الحركات الشعورية التي يعلن عنها السرد لذا فموسقيتها في سرديتها لا في إيقاعيتها ..بل لعلنا نتحسس الإيقاع بين أعطاف هذا الخطاب ..هو إيقاع الشعور ..وإيقاع النفس المأزومة بانكسار الحب والأوجاع المنسية وهذا ما يعطي بعدا مأساوياً ..لعل فيه بعض مظاهر الاحتضار العاطفي ..عبرت عنه الساردة بصورة ذكية جدا من خلال إقامة الصورة على قطبين متناقضين” اللذة والألم ” في ذات اللحظة فهي تعيش الألم في اللذة وتستعذب اللذة لحظة الشعور بالألم ..(يكفيني أن تبقى هذه الأوجاع مصلوبة على باب معبد قديم يخلد في الذاكرة ،، فأخرج مني عليك كل أنواع اللعنة وأعيذك بترانيم العشق أن لا تعود ،) وتنتهي الأحداث في هذا السياق نصياً لكنها تنطلق فعلياً مع عملية التأويل حتى نبتدع نهاية لنص اكتمل كتابة ولفظاً ولم يكتمل هاجسا ومعنى .. هنا قد نذهب مع جملة هذه المعطيات إلى أنه نص مخاتل ..زئبقي ..أينما وجهت نظرك تكسر الكاتبة أفق التوقع لديك ..هو نص بين الشعر والنثر موقعه.. قصير ولكنه اختزل عديد الأشكال فاستعار من المسرح صدامه ومن القصة الراوي وحيله ومن القصيدة الإيقاع وصوره ومن الأدب الذهني فسحة الذهن و رموزه .
” شيء ما “
للشاعرة : منال دراغمة
تَلبسني شعورٌ غريب أخذ يسحبني من سريري إلى أريكة أوجاع منسية كنت أظنها إحترقت في ذاكرتي،، وراح يَهمِس في أذن اللحظة ويقول ؛
الأشياء كلها تُحَدِّث عن نفسها، فلا يَجبر كسر الحب إلا عاشق عِظام متمرس، !
لا تهمه الملامح ولا يقف على تضاريس الجفون وما يَسكنها من تعب..
في ذات الحجرة انا وهذا المتلبس الغريب وقارورة زيت بلون اللافندر وطعم الشواء ،راح يستخدمه لتدليك العظام الرقيقة ، وأنا أنتحب ليس لشدة الألم فقط ولكن لترقق أصاب الفقرات وخدش يهز التوازن ما بيني وبينه ، يبتعد / يقترب..! أقترب…!ابتعد..! نَبتعد..فيقترب الخوف بعنف يَلفنا .!
هنا إلتصقت عيون الدهشة بالمكان . : فأي مساج هذا همجي بطقوس راقية ،، زيته لا يُحرّك إلا طيات الأوجاع .. وأي متعة هذه تنتشي بها الجدران أكثر مني!؟
أُخرج مني يكفيني ما تلبسني من الأشياء ، يكفيني ما يسكن تحت إبطي من تأوه مشوش وما يعلو نحري من اشلاء. : يكفيني أن تبقى هذه الأوجاع مصلوبة على باب معبد قديم يُخلد في الذاكرة ،، فأخرج مني عليك كل انواع اللعنة وأعيذك بترانيم العشق أن لا تعود ،، سأستريح قليلاً على ذات
الأريكة قبل أن ابدأ من جديد .!









