كتاب الحقيقة

نزيهات.. ونوائب

ابراهيم الخياط

 

د.نزيهة الدليمي هي أول وزيرة في العراق وفي العالم العربي، ومن رائدات الحركة النسوية العراقية، وذات جهد مشهود في إصدار قانون الاحوال الشخصية لسنة 1959، الذي يعد من اكثر القوانين  تقدما وتقدمية في الشرق الاوسط من حيث ضمانه حقوق المرأة .

ولدت د.نزيهة في بغداد عام 1923. دخلت كلية الطب عام 1941، وأصبحت طبيبة عام 1948. وفي السنة نفسها انضمت للحزب الشيوعي العراقي.

في العام 1953، أسهمت في مؤتمر الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي في كوبنهاغن، حيث انتخبت عضوا في مجلس الاتحاد، ثم في مكتبه. وفيما بعد أصبحت نائبة لرئيسة الاتحاد وبقيت في هذا المنصب حتى عام 1976، عندما فرضت حكومة البعث التجميد على العمل المهني للمنظمات الديمقراطية العراقية.

في أواخر السبعينيات تركت د.نزيهة العراق مرغمة، وظلت في منفاها لحين رحيلها عام 2007 في ألمانيا،عن عمر ناهز الـ 84 عاما.

وبناءً على وصيتها فقد نُقل جثمانها وشيّعت في ساحة الاندلس ببغداد تشييعا حزبيا وشعبيا مهيبا، لتدفن في مقبرة الشيخ معروف الكرخي.

في العام 2009 قرر مجلس الوزراء إقامة تمثال لها لتعّد أول شخصية نسوية يقام لها تمثال في العراق. وحتى اليوم لا تزال ساحات بغداد تنتظر تنفيذ القرار.

د.نزيهة كان لها الدور الأهم في توزيع الاراضي وبناء مدينتي الثورة (الصدر حاليا) والشعلة، عندما كانت وزيرة البلديات.

ورحلت النزيهة نزيهة، وجاءت نائبة من النوائب (على وزن شاعرة: شواعر) والتي كانت قبل عقدين امرأة فقيرة (الفقر ليس عيبا)، وتعمل طوّاشة (والعمل ليس عيبا)، وكانت عباءتها تسحل خلفها (اذا المرء لم يدنس من اللؤم عِرضه فكل رداء يرتديه جميلُ)، وكانت امرأة وسخة دميمة بومة (وهذا وصف معيب منفر غير مقبول التحلي به).

كانت مع زوجها الفلاح وصغارها لا تعدّ الايام ولا تعرفها، حتى اذا أصبحت ذات يوم على هرج ومرج أمام بيتها الطيني فاذا بأهل القرية يخبرونها أن زوجها المبكر لشغله الزراعي قد توفي. وبعد ساعة عرفت أن حيّة تسعى قد لاحتها مسحاة زوجها، فقفزتْ ولدغته وأوقعته أرضا، حيث لا حسّ ولا نفس.

تدبّرت أم فلان لوحدها أمور البيت، واشتغلت لديها آليات الدفاع والتحسب والحذر، فتحوّلت الى أمّ بيت نادرة. وكانت في كل سنة تذبح خروفا، فيسألها أحد أبنائها وهو ملحاح لجوج:

– يمه، ليش تذبحين هذا الخروف؟ 

فتجيبه بحسرة وتأوه:

– إبني، هذا ابثواب ابوكم الله يرحمه.

وفي كل سنة يسأل الولد سؤاله المعتاد فتجيبه الأمُ الجوابَ ذاته، حتى أن جاء – يوما – مؤذن المسجد، وخطب الأم المثابرة المكدّة الوفية لذكرى زوجها المغدور.

يتزوجها الحاج ويبيعان ما يملكان و يذهبان الى العاصمة حيث يستقران مع الأولاد في حيّ شعبي. وما هي الاّ سنة حتى ترشح أم فلان في قائمة زوجها الحاج، وتصبح نائبة على سنّ ورمح بعد أن زودها العمّ مريدي بوثيقة.

ولم يعد الحي البغدادي الشعبي مناسبا وملائما، فتتخذ الأسرة المحترمة من المنطقة الخضراء مسكنا لائقا بالذوات والزعامات، ولم تنسَ الحجية (وهذه كنيتها الجديدة) أن تذبح ذبيحتها في أوانها.

لكن ابنها الملحاح اللجوج نبّ قاذفا سؤاله السنوي المعتاد:

– يمّه، ليش تذبحين هذا الخروف؟

فأجابته بنصف حسرة:

– ابني، هذا بثواب الحيّة اللي عضّت ابوكم الله يرحمه.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان