كتاب الحقيقة

السلطة والأقنعة، زمن محترق

غرام الربيعي

 

قادتني المصادفة الى تصفح ملف خوسيه موخيكا ،رئيس الاورغواي والمرور عن أهم الانجازات التي تحققت خلال فترته الرئاسية فقال إن”عدد الفقراء والمحتاجين انخفض في البلاد” “لكن، للأسف لا يزال هناك فقراء ومحتاجون في هذا البلد الغني بالموارد”.

ويعد موخيكا أحد فقراء الأوروغواي إذ يصنف كـ “الأفقر” بين زعماء العالم، لكونه لا يحتفظ سوى بـ 10 % من مرتبه الذي يبلغ شهرياً 12 ألفاً و500 دولار أميركي، ويتبرّع بالباقي للجمعيات الخيرية.

و يعيش موخيكا صاحب عبارة “من يعشق المال لا مكان له في السياسة” منذ توليه الرئاسة في شهر مارس 2010، في بيت ريفي في مزرعته، مفضلا البيت المتواضع عن القصرالرئاسي،كما أنه لا يتمتع بالحراسة المشددة كبقية رؤساء العالم .

مقطع صغير من حياة هذا الرجل يثير الدهشة والمقارنة مع أي شخص يقترب من منصب  رئيس وأقصد أي رئاسة ،وكما يبدو أن المسؤولية تصيب الانسان بكثير من الغرور والطغيان والنرجسية لتحوله من خادم إلى مخدوم .والأكثر غرابة يمنح نفسه صفات تصل به إلى منطقة التخاذل أمام القيم والأخلاق كي يتمتع بصلاحيات الرئيس الوهمية التي تبيح له كل الممارسات وامتلاك ماله وما لغيره دون أي رادع أخلاقي أو اجتماعي وحتى القانوني حيث يتلاعب بمفردات القانون حسب انتفاعه منها أو التحايل عليها للحصول على مآرب مختلفة .

هنا تسقط الأقنعة وتتبدل مع كل حال ومتغيّر ،فصارت أوبئة لايمكن الشفاء منها حتى تصل بصاحبها إلى الإقتتال على المنصب أو الدخول في متاهات غريبة وعجيبة للحفاظ على بعض المكاسب المشروعة وغير المشروعة ليس مهماً .

ومن أقوال هذا الرجل وأعني خوسيه موخيكا :السلطة لاتغير الأشخاص هي فقط تكشفهم على حقيقتهم .

نعم فكثير من الشخوص سرعان ماظهر منهم غير ماعُرف عنهم مجرد ثبوتهم على كرسي اللعنة ،

والبعض تنتابه نوبات الانسلاخ من إنسانيته لحظة شعوره بخسران الأمر أو ظنه بوجود بديل عنه أو نظير ،ولا أدري حجم هذا التهويل للذات الشرسة داخل عقلية من تتلبسه حالة القيادة أو الرئاسة مع اختلاف حجمها وأهميتها ؟ فتحول انسان الى متآمر أو مخادع أو مزور وسارق وقاتل ،ليس بالأمر الهيّن وذلك كله مرتبط بفكرة الرئاسة والتسلط البعيدة جداً عن فكرة تقديم الخدمات للآخرين والحياة عموماً .

وهذا حتماً يحول الإنسان الى عبد لشهواته وحاجاته الخاصة ،ويجره أيضا بالانتماء إلى مسميات أخرى مثل الأحزاب والكتل لضمان توسيع قاعدته ومريديه لحماية هذا المنصب ،وبالتالي سيخضع إلى أوامر أخرى ورؤساء جدد مقابل تبادل الخدمة فيتحول إلى متخاذل مقابل حماية مصالحه الخاصة ،

هنا تبادر إلى الذهن قول د.علي شريعتي 

:(كيف يكون الإنسان مناحراً ويمتلك قراره في الإختيار وهو مكبل بالتبعية والفئوية والحزبية ؟)

هنا يتضح جلياً ما يحدث حولنا من زيف الرؤساء وتبادل الأقنعة وقبحها ،وزمن المسؤولية هذه بفراغها من واجباتها وسمو تحملها إلى زمن محترق يشوه سيرة التاريخ المناط بهذه المسميات .

ويبقى السؤال هل السلطة وسيلة  أم غاية ؟ وفي الحالتين فقدت مدلولها الإنساني والثوري  في مجتمعاتنا العربية .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان