كتاب الحقيقة

صنمية القائد.. صنع المواطن

علي علي

 

 

   كنتيجة حتمية لما عاشه العراقيون خلال الحقب التي مرت عليهم جميعها، باتت أوضاعهم الحياتية مضطربة، لاتكاد تستقر حينا حتى تتدهور أحيانا كثيرة، وماهذا إلا لانعدام المنظومة المؤسساتية الحقيقية التي تتولى حكمهم بشكل منصف وعادل وأمين. فقد أشبع أغلبهم فكره وظنه وحتى عقيدته، بوحدانية القائد وفردية الرئيس، فاختلق “قالبا” وضع فيه مايتمناه من مواصفات وكفاءات ومؤهلات، وشخصن وظيفة الحاكم والرئيس والقائد وحصره بشخصية فلان أو علان، ظانا أو حالما بأنه فارس الأحلام، وهو الذي سيتولى أمره وأمر معيشته ومستقبله، فضلا عن حاضره، فأغدق على هذا الـ “صنم” المصنوع من عسل الأحلام كل المواصفات الحسنة، ملبسا إياه النزاهة والمصداقية والمهنية والأمانة، وطبعا سلمه الجمل بما حمل، بدءا من فقرات يومياته من مأكل وملبس، الى مفردات وطنه وثرواته، فكأنه ينادي ساسته بطيبة قلب وسذاجة ببيت الدارمي:

سلمتك الدلال وبتوته كلهن

ظلت بكيفك عاد تگطع تفلهن

 ولسوء حظ المواطن فقد كان المنادى عليه أصم أبكم أعمى، فراحت نداءاته أدراج ريح صرصر عاتية، عادت عليه بوابل من جحيم شمل حياته بأصغر مفرداتها وأكبرها. 

  إن “الصنمية” في اختيار القائد بسلم الوظائف الحكومية ليست وليدة اليوم -كما أسلفت- وهذا مالوحظ بشكل جلي بالممارسات الديمقراطية المتمثلة بالانتخابات الثلاثة الماضية، إذ كان السؤال المتكرر على الألسن جميعها هو: “إلمن راح انتخب؟!” في حين كان الأولى والأكثر جدوى هو السؤال: “مابرنامج فلان؟!” أو: “مامؤهلات علان؟!”. لذا فقد حصد العراقيون جني سؤالهم الأول المحصور بالشخص وليس ببرنامجه وخططه وماسيقدمه للبلد. ومازاد الطين بلة، هو ولع ساستنا وتطبعهم بالأخذ ثم الأخذ ثم الأخذ، دون العطاء، بل حتى دون أداء مامنوط بهم من واجبات تجاه أبناء شعبهم. ومازال “فايروس” المحاصصة المسرطن يسري في جسد الدولة والحكومة، ومازالت المصالح الفئوية والحزبية هي الركيزة الأثقل التي يتم توزيع المهام والمناصب على ضوئها، ومازال الخلاف على هذه الحيثيات قائما بل في تصاعد يتزامن مع الضغوط التي يتعرض لها رؤساء المجالس الثلاث في البلد، والضغوط هذه عادة ما تفضي الى التسليم للأمر الواقع والاستسلام أمام “الضاغطين” وحينها يكون أقرب قرار الى الرئيس هو “اتباع التوافق السياسي”، وبهذا القرار يوضع المواطن تحت مطارق عدة، فيغدو أمره كما يقول مثلنا: “يخلص من الطاوه تتلگاه النار”، وهنا الطامة الكبرى الثانية -إذا علمنا أن الطامات الكبرى في عراقنا الجديد كثيرة-. وما تظاهرات المواطنين العارمة التي تجتاح شوارع العاصمة والمحافظات كل حين، إلا وليدة التباطؤ والتواطؤ.. والإهمال والإغفال.. ووضع حبل الحساب والعقاب بحق المسيء من المسؤولين على غارب محمل الجد، فكان بهذا التهاون تقهقر حال المواطن في مستلزمات عيشه جميعها، في وقت كان يأمل أن يكون العراق الجديد جديدا في كل شيء.

aliali6212g@gmail.com

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان