علي علي
في بداية كل عام، ورأس كل سنة، بل رأس كل ساعة، تقف بكل كبرياء تتحدى عقارب الزمن، زاهية بجمالها الأخاذ وطلعتها البهية، مزهوة بحسنها الفتان وطلتها النقية، كأنها عروس في ليلة عمرها، تجذب الأنظار من كل ناحية، وتجلب الانتباه من كل صوب، فأعين الجميع ترنو الى وجهها، سواء أمبرقعة كانت أم سافرة!. لها في ظلمة الليل نور يستهدي به الضالون، ولها في وضح النهار شعاع يرشد التائهين إن تضاربت أضواء الشموس. قالوا عنها الكثير، وتغزل بها كثيرون، وتشبب بجمالها الغادون والرائحون، هي بغداد التي تغنى بها الشاعر الوراق ابو القاسم فأنشد:
أعاينت في طول من الأرض والعرض
كبغداد دارا إنها جنة الأرض
صفـا العيـش في بغداد وأخضر عـوده
وعـود سـواها غـيـر صافٍ ولاغض
تطول بها الأعمار إن غذاءها
مريء وبعض الأرض أمرأ من بعض
هي التي صدح في وصفها كل من حل فيها راغبا.. ولم يرحل الراحلون عنها إلا مرغمين، فهذا أبو محمد البافي عبد الله بن محمد له فيها:
على بغداد معدن كل طيب
ومعنى نزهة المتنزهينا
دخلنا كارهين لها فلما
ألفناها خرجنا مكرهينا
هي بغداد التي قالوا عنها ما لاتسعه صفحات، ولاتحتويه مجلدات في الوصف والتشبيب، فالقاطنون فيها يتغزلون بجمالها وحسنها وطيب ناسها، والناؤون عنها يتحرقون شوقا الى حاراتها والى مائها وهوائها، فقد نظم الشاعر طاهر بن المظفر بن طاهر الخازن أعذب مانظم فقال:
سقى الله صـوب الغاديـات محلـة
ببغداد بين الكرخ فالخلـد فالجسـر
هي البلدة الحسناء خصت لأهلهـا
بأشياء لم يجمعن مذ كنّ في مصر
هـواء رقيق فـي اعتـدال وصحـة
ومـاء لـه طعــم بِحَرٍّ وفي قَرِّ
ودجـلتـهـا شـطـان قـد نظـمـا لـنـا
بتاج الى تاج وقصـر الى قصـر
تـراهــا كـمسـك والمـيـاه كفـضـة
وحصباؤها مثل اليـواقيـتِ والـدر
ابو سعد محمد بن علي الهمذاني، لم يبقِ في المعمورة فيافيَ او بوادي إلا وجابها، ولم يدع مدينة حاضرة إلا وزارها في حله وترحاله، إلا أنه حين وطئت قدماه بغداد، أنشد صادحا:
فدى لك يا بغداد كل قبيلة
من الأرض حتى خطتي ودياريا
فقد طفت في شرق البلاد وغربها
وسيرت رحلي بينها وركابيا
فلم أر فيها مثل بغداد منزلا
ولم أر فيها مثل دجلة واديا
ولا مثل أهليها أرق شمائلا
وأعذب ألفاظا وأحلى معانيا
هي بغداد يوم كان هارون الرشيد مولعا بمدينة الرقة في الشام، وأرادت زوجته زبيدة أن تحيده عن رأيه وتلفت انتباهه الى بغداد وأعياها ذلك، فلم تجد بدا من الاستعانة بالشاعر منصور النمري، وقالت له: قل له شعرا تحبب بغداد الى قلبه، فأنشد:
ماذا ببغداد من طيب الافانين
ومن منارة للدنيا وللدين
تمشي الرياح بها اذا نسمت
وجوشت بين اغصان الرياحين
هي بغداد التي عشقها القاصي والداني من الغرباء.. فكيف بنا نحن بنيها من أب وجد (لسابع ظهر)؟
aliali6212g@gmail.com





