كتاب الحقيقة

انزياح الحقيقة وحضور الواقع

غرام الربيعي

كل ما يحدث في حياتنا الآن يقترب من فقدان لمعان  النظريات الاجتماعية النقدية أو فقدان  صلاحيتها الآن ،ولم تعد قراءات هيجل للتحولات الاجتماعية تتناسب مع واقع يعبث بالقيم وتتصدره الصور الظاهرة والمتسترة والمفتعلة التي لم تعد تمتلك مقومات مفهوم قيم . 

ما تشير إليه الظواهر الاجتماعية التي لبدت سماء الحياة بكل مفاصلها هو فوضى عارمة ،مشوّهة ،هجينة ، مريضة ،لا تعد وصفاً صريحاً واضحاً لتحديد مرحلة تاريخية لتوثيقها واضحة المعالم والسياقات ،تلاشت فيها ملامح أخلاقية كثيرة ومعرفية مبررة من قبل المستهلكين أنها واقع لابد منه ،حاولتُ مراراً أن أقتنع بما ذهب إليه فردريك أنجلز حين وضح ملامح المنهج الاجتماعي بضرورة تعدد وجهات النظر المتضادتين وإن كانت على حدود الارستقراطية والبروليتارية ،فالواقع الآن صار أكثر من طبقة وأكثر من مستوى انتمائي ومختلف المفاهيم ،حيث غابت المرجعية الاجتماعية والقيمية لكل مستوى ،وهذه الفوضى تنامت مع غياب الرقابة النزيهة والتعليم الخالص والمعارف المرتبطة بالنقد الحديث المنسجمة مع واقع صار تفرضه المستجدات العقيمة .

من هذا تتحمله الكثير من الثقافة ومنتجيها لأجل توازن موضوعي بين ما ينتج من أدب ومجتمع قارئ لهذا الأدب ومنسجم معه من حيث الطرح والقبول بالمقترحات كحلول مصنفة ومنصفة  للرؤية العامة .

وإن كان لابد للمثقف أو باحث العلوم الاجتماعية والنفسية من دراسة المجتمع وقراءته بصورة متفحصة لمعرفة حاجاته وطموحاته وآليات التغيير لواقعه ،فكيف ستؤول إليه النتائج إذا فقد المجتمع ملامحه المميزة له !؟ وفي واقع محتدم بالصراعات المختلفة ومستبطن لكثير من النزعات والشعور بالضيم ، وأهم عنصر فيه يشعر بالإنهزامية من الذات التواقة إلى التحرر الإنساني والتغيير إلى اللا معرّف أواللا محدّد ،المرأة والرجل على حد سواء ،إلا أن المرأة مازالت في حدود الإختناق الفكري والمعرفي ضمن الصيرورة الذكورية المتناهية الإنتماء الاجتماعي أو المشوهة الحقيقة في التحرر حتى صار المجتمع المتكون من لبنة الأسرة يعاني مرارة الانشطار ،وأولها الثقافة الحقيقة كحق إنساني مشروع  ،ولعلها فكرة أزلية حين قال سقراط :

(عندما تثقف رجلاً تكون قد ثقفت فرداً واحداً وعندما تثقف امرأة فإنما تثقف عائلة بأكملها ).

وغياب كثير من الحقائق بذريعة الواقع يحكم .وكثيراً ما تراودني عبارة ويليام شكسبير: 

((أصعب معركة في حياتك عندما يدفعك الناس إلى أن تكون شخصاً آخر )) .هذا مع غياب كثير من القيم السلوكية التي تعتبر أسس التواصل بين البشر والمحيط كي تشعر بإنسانيتك مثل غياب احترام حرية الآخر وعدم التفريق بين الحرية والانفلات . 

 (هناك أناس يصنعون الأحداث وهناك أناس يتأثرون بما يحدث  وهناك أناس لا يدرون ماذا يحدث ) قول لبرنادشو مع فارق طبيعة الأحداث  ينطبق كثيراً على واقع الناس المحتشد بحقيقة صناع للأحداث وناس كثيرون تابعون وذيول للتأثر السريع وبدون دراية وتفحص وناس أصلاً  لا تمسهم الأحداث ولم تصل أحاسيسهم لانشغالاتهم الفردية بالفردية ،ولاتهمهم النتائج لغياب الحقيقة في واقع مرتبك وشائك .

ربما البعض سيقرأ المقال ويتهمني ببعض اليأس أو كله ،بل هو قراءة لانتهاكات الحقائق التي تؤكدها كل مرجعيات الوجود والحس الإنساني بغياب العفة الفكرية والعفة السلوكية المسببتين لغياب سكينة الحياة وملامح جمالها في ديمومة العلاقات الوجودية بين الإنسان والقيم الجامعة له مع الأشياء والكينونات الأخرى ،وقد يصعب وصفي بأنها تقترب من الفجور ، الفجور ليس انتهاكا للعفة فقط أو من باع شرفه، فهناك فجور أكبر،  وهو الحروب بشتى أشكالها  التي يصنعها شخوص غير مبالين بالجوع والفقر والجهل الذي تخلفه تلك الحروب والأدهى .. مَن يرى ولا يبالي ،وأيضا بحجة الواقع يفرض ذلك! . 

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان