الحقوقي / نعمان منذر محمد
سرد والدي مرة قصة جميلة عن موقف رجل من العراق، انه الدكتور فاضل الجمالي احد مؤسسي ميثاق الامم المتحدة سنة ١٩٤٥ وسفير العراق فيها.. استمع !!
في عام 1954 كانت تونس تحت الانتداب الفرنسي. وكانت فرنسا تعتبر نفسها الوصية المطلقة على شؤون تونس من كل النواحي. وكانت تمثل تونس بالنيابة عنها في المحافل الدولية ومن ضمنها الامم المتحدة. كان وقتها الحبيب بورقيبة رئيس الحزب الدستوري الجديد الذي يحارب الفرنسيين من اجل الاستقلال. وكان د. فاضل الجمالي رئيساً لوزراء العراق وقتها.
في سنة ١٩٥٦اراد الحبيب بورقيبة ان يعرض قضية استقلال تونس على هيئة الامم المتحدة، فسافر الي نيويورك ووقف امام مبنى الامم المتحدة محاولا الدخول، الا ان الحراس خارج المبنى منعوه لانه لم يكن يحمل صفة شرعية كي يحضر الاجتماع، فحاول بورقيبة التفاوض مع الحراس بشتى السبل الا انهم لم يسمحوا له بالدخول نهائيا، وبهذه الاثناء مر الوفد العراقي برئاسة د. فاضل الجمالي فتساءل الجمالي عن سبب ذلك الضجيج فقالوا له ان رئيس احد الاحزاب المعارضة بتونس يحاول الدخول الى مبنى الهيئة لكنه لا يحمل صفة رسمية، لذلك فهو ممنوع من الدخول. هنا استدعى د. فاضل الجمالي الحبيب بورقيبة وقال له، “انت ستدخل اليوم الى الهيئة بصفتك عضوا في الوفد العراقي” ثم التفت د. فاضل الجمالي الى احد اعضاء وفده ورفع منه الشارة التي كتب عليها (وفد الجمهورية العراقية) ووضعه على صدر الحبيب بورقيبة وقال له “تعال معنا، فانت من ضمن وفدي الآن، ولن يستطيع احد منعك ).
لم يكن للحراس الا ان يسمحوا للحبيب بورقيبة ان يدخل القاعة مع باقي افراد الوفد العراقي. وبعد ان افتتحت الجلسة تسلم المكرفون الدكتور فاضل الجمالي كي يتحدث. واول ما نطق به هو “سأحيل المكرفون الى اخي الحبيب بورقيبة للتحدث باسم دولة تونس الحرة” وهنا قام الوفد الفرنسي وغادر القاعة معبراً عن معارضته لذلك التصرف. استلم الحبيب بورقيبة المكرفون والقى خطاباً مطولا ومؤثراً حول الاوضاع في تونس وحاجة تونس للاستقلال من الاستعمار الفرنسي، ولاقى ذلك الخطاب التصفيق والحماس الشديد من قبل اغلب الحضور ووقف الجميع تحية لذلك البطل القومي. نظر بورقيبة الى الدكتور فاضل الجمالي وقال له:
“لا انا ولا بلدي تونس سوف ننسى لك صنيعك هذا”
مرت الايام واستقلت تونس عام 1956 واصبح الحبيب بورقيبة رئيسا للبلاد.
وفي 14 تموز 1958 فجر العراق ثورته ضد الملكية واصبح عبد الكريم قاسم رئيساً للجمهورية العراقية، ومن ضمن الامور التي عملها هو الحكم على د. فاضل الجمالي بالاعدام. وبنفس الوقت استدعى عبد الكريم قاسم نظيره الحبيب بورقيبة رئيس دولة تونس لزيارة العراق. فاجابه بورقيبة بالرسالة المشهورة:
“سوف لن ازور بلداً يحكم على د. فاضل الجمالي بالاعدام”
وكانت تلك المقولة قد سببت وقعا شديدا على عبد الكريم قاسم فتراجع عن حكمه، واستبدل حكم الاعدام بالمؤبد، فعلم بذلك الحكم الحبيب بورقيبة وفعلا زار العراق ثم عاد الى بلده وهو راض تماماً. وبعد بضعة شهور عفا عبد الكريم قاسم عن د. فاضل الجمالي واخرجه من السجن.
واجمل موقف لهذا الرجل العراقي العربي الأصيل، انه في سنة ١٩٩٥ رد على دعوة الامم المتحدة له لتشريفه في احتفال توقيع الميثاق قبل ٥٠ سنة مضت وهو احد الموقعين عليه .. فكان رده :
( لن احضر احتفالا في بلد وفي منظمة تغض الطرف عن تجويع شعبي واطفاله في الحصار الذي تفرضه على العراق ).
اين نجد هوءلاء يا ترى





