سيف حسين الحموي
حينما تطلعُ على قوانين الحكومات تجدُ فيها قسما خاصا لرعاية الطفولة، تشمل تربيته وتنشئتهُ حتى سن البلوغ،ولابد للأسرة ان تخضع لتلك القوانين والتشريعات. فنلندا إحدى البلدان التي وضعت قوانين خاصة بالطفل، فقد منعت العقوبة البدنية،ووضعت المساواة بين الجنسين،وأخذت تشجع الطفل على التفكير المستقل . بعد ان مر العراق بأزمات عدة ابان النظام البائد قرر الحاج عبود طلب اللجوء،وقع اختياره على فنلندا، وصل هناك ، بعد فترة اخذ زوجتهِ الى مستشفى لاستنلينا Lastenlinna في العاصمة هلنسكي ، وجد انها حامل ، رجع الى بيتهِ كما هو معتاد لدى مجتمعنا . يقول : بعد أسبوع وإذا بسيارة إسعاف من المستشفى الفنلندي تقف امام الباب،نزلت ممرضتان ، طلبتا الاذن بالدخول. تفاجأت، وقلت ادخلا، دخلا ، واذا بهما يجريان الفحوص للاطمئنان على سلامة الطفل ، اندهشت لذلك الموقف وانا ابتسم. وهكذا كان يجري بين الحين والآخر ، وهو مايسمى بالبيوسكيورتي ( الأمن الحيوي ) دخلنا الشهر التاسع الذي فيه موعد ولادة زوجتي ، أتى مخبر من المستشفى ليعلمنا بأن موعد العملية سيكون في اليوم الفلاني. فعلاً ، صباح ذلك اليوم أتت سيارة الإسعاف وحملت زوجتي الى المستشفى، تم إجراء العملية بأفضل الاجهزة الطبية، أردنا الخروج ، طلبت منهم الطفل ولكن رفضوا تسليمه ؟ قال الدكتور : تتسلمون ابنكم بعد أسبوع ونحن سنوصله الى المنزل. بعد أسبوع أتوا بالطفل ومعهم سيارة تقل جميع احتياجاته . في تلك الاثناء ظهر خبر على شاشة التلفاز يقول ” انفجار عبوة ناسفة امام روضة السعادة الأهلية تودي بحياة ثلاثة أطفال وتصيب خمسة آخرين بجروح ” لحقه خبرٌ اخر يقول ” انتشار الباعة المتجولين من الأطفال على أرصفة بغداد وأزقتها ” بالأول مات الجسد والثانية ماتت الروح. هنا مفارقة كبيرة بين الطفل المولود في هلسنكي والاخر في بغداد، فنجد كيف سعت الأولى لإيجاد سبل سعادته، بناء شخصيته، تنمية روح الإنسانية لديه بل وأكثر ما شدني اليه هو جعلهُ ذا تفكير مستقل ( معاناتنا بسببها ) مقابل طفل ولد في سومر وهو لايجيد مسك قلمٍ يعبر به عن أسباب دموعهِ المنهمرة على وجناته الحمراء ، ولد في بلد الإسلام ولم يجد السلام ، ولد في حقبة الديمقراطية ولم يجد الحرية، ولد في الثروات ولم يجد الخيرات، فقد حمل جسد الإحياء بروح الأموات، فكب وجهه في حدائق الأرصفة المستعرة بحرارة الشمس، فهو طيٌر لم ير الا تطاير الأرواح، لم يعرف الابتسامة إلا حينما يُلقى صريعاً بين الهبة النيران مودعاً حزنهُ عند إشارة المرور . للأسف ياميسترال فمقولتك ( اقترف البشر أخطاء كثيرة ولكن أسوأ جريمة اقتُرفت على الإطلاق هي التخلي عن الأطفال) لذلك فقد أصبح المجتمع العراقي أنموذجاً لها باحترافية.





