كتاب الحقيقة

السقطة القاصمة

غرام الربيعي 

 

من المثير للانتباه  في تعاملاتنا اليومية ،أن كثيرا من الناس منشغلون بما كان و يهملون ما سيكون، ويصفون ما حدث ولا ينشغلون  بتوقعات ما سيحدث ،ويعترفون  بالأخطاء الشائعة قبالة إهمالهم أصل الحقائق ،كما يقتلون كثيرا من العمر والوقت والجهد والمشاعر بمشكلة تثار لغرض ما دون الخوض في حلول ناجعة لها حتى وصل الأمر الى أن البعض يقضي الزمن بالبحث وراء أخطاء الغير متربصاً للصغيرة والكبيرة، كي يحصل على صيد ثمين يعتد به ويُشعره بالانتصار ،على ماذا لاأدري !!؟ وهذا كله لا يتعادل مع تفكيره بأخطائه أو مشاكله الحقيقية التي أوقعت به في هذا الشرك الخطير بضياع طاقة إنسانية كاملة في بئر الانحطاط الأخلاقي والسلوكي  بمجمل طاقته العقلية التي يمتلكها فيهدرها بفراغات غير ساكنة تشوش الذات و الوجود ،فمراقبة الغير للإمساك بالقشة التي تقصم ظهر البعير وكأنها الوسيلة الوحيدة في حفظ القوة تجاه الآخر أو تحصين الذات من الآخر أو  كبديل لفهم مقومات القوة  للذات والبحث عن الزلات والإشتباهات للغير كطرف آخر  ضعيف على الدوام ، فكثير من الاختلاطات شوهت الحقائق التي اتفق عليها الوجود البشري بأنها مسارات صحيحة أو مرجعيات للتواصل الحياتي بين البشر فضاعت بين الأخطاء والأخطاء الشائعة .

هذا وأمور أخرى كثيرة تجعلنا نتساءل من هي الأخطر :الأخطاء الشائعة أو الأخطاء الفردية ؟

ولو تمحصنا قليلا في نظريات مجال دراسات علم النفس التي خاضت في  النظرية السلوكية والنظرية العقلية ، ومدى إهمال الإنسان للتدريبات الحياتية وكسب المهارات لترميم الفكر من مخلفات الزمن المشحون بالتفاوت القيمي والعقائدي والحضاري واغتنام فرصة رؤية الحياة المترامية نحو نهاية حتمية للجميع بنظرة جميلة ورائعة وسعيدة حتى باتت نوايا كأنها أقرب للسذاجة أو هكذا يُنعت بها صاحبها، فلو انتبهنا الى كل تلك الامور لكان انمى لعقولنا وافكارنا .

زلة اللسان ،الخطأ المقصود ،خطأ استخدام المعنى ، الشعور بالنقص ،الفراغ الحياتي ،الفراغ العاطفي ، العوز بكل أشكاله لاسيما أخطره العوز المعرفي ، الند والضد ، الغيرة والحسد ، الانحراف الجنسي ، العوق الجسدي ، سوء الفهم ، إختلاف النوايا والمصالح ، الثارات ،الأمراض الجسدية والنفسية ، القال والقيل والتأويل ،عدم مراعاة الفروق ، كثرة التناقضات ،شيوع السياسات ، ميوع الرومانسية ،غلبة الماديات على الروحيات ،ومفردات قد تطول ، كل هذه الامور هي السبب في قلب كيان شكل الحياة المتوخاة والتي يرنو إليها الجميع ويحلم بها وكل على شاكلته .

الكل يتهم الكل بأن المجتمع مريض ،الكل يراقب الكل مهما اختلفوا في العرق أو الملامح أو الأعمار  ،الكل يغتال الكل دون أن ينتبه لذلك ،الكل محروم أو محرج بسبب غيره ،الكل محط انتقاد وسخرية الكل ،الكل تحت طائلة الترقب والحكم من قبل الكل ،الكل محط إلصاق التهم من الكل ،الكل يستفز الكل ،وهكذا يكون الكل في قفص الإتهام والمحاكمة ولاحاكم عادل يستحق أو مرخص  بالفصل في الأمر ،ولا أحد ينهي هذه الصراعات الخفية في ذات الكل بالرغم من إدعاء البعض بالسمو والترفع عن بعض ما ذكرنا والبعض المتثاقف الذي يمارس دون التفات لما يفعل .

ففي أذهان الكثيرين ضحالة قبول الآخر النظير له في الخلق في أقل تقديرات الوجود ومما أصبح لا لبس فيه ولا مراء أن الجميع يظلم الجميع مع فاعلية التبريرات وابتكار الأعذار .وأخطر ما يحدث الآن في محيطنا هو أن الجميع منح نفسه الضوء الأخضر بالحكم على أي كان وبأي صورة كانت .

ولو اعترف كل منا بأن بحثه المزمن عن خطايا الآخرين كسقطة قاصمة  هو ترقين قيد الذات البيضاء وهي السقطة الحقيقة لعدم رؤية الجمال للوجود الطبيعي والسعادة الناتجة منه .

ولحصانة النفس من بعض أمراضها لابد من تذكر قول أحد الحكماء :

(  ذوو النفس الدنيئة، يجدون اللذة في التفتيش عن أخطاء العظماء ).

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان