ساطع راجي
بعد ايام من سقوط صدام، حضرت ملتقى صغيرا ركز فيه المتحدثون على ان العراق غير ملزم بالنتائج الناجمة عن حماقات وجرائم النظام السابق وتحديدا عن تسديد خسائر الكويت والمتضررين نتيجة اجتياح صدام للدولة الجارة وديون حرب الثمانينيات لدول الخليج ولا تحميل الامم المتحدة للعراق مسؤولية اندلاع «القادسية الثانية»، كان بين الحضور اشخاص يمكن الثقة برجاحة عقولهم وثقافتهم لكنهم تناسوا ان الدولة تختلف عن نظام الحكم ولذلك لا تسقط ديون الدولة مثلا لمجرد ان نظامها الحاكم تغير، ولم يتذكروا اي هزيمة لدولة اخرى دفع ثمنها النظام الجديد بعدما انهيار النظام القديم.
الشارع العراقي يتعامل مع السياسة بطريقة عشائرية لا تقبل الاعتراف بقوانين العالم ويسيطر عليه دائما الحماس ويظن انه قادر على هزيمة العالم كله فقط لو اتيحت له الفرصة بوجود قادة «اقوياء» لكن هذا الانفعال يتبخر سريعا بعد تذكير قصير بالوقائع، غير ان الامر يبدو اضطراريا فهي قناعة المصدوم الذي يعود الى قناعاته السابقة بعدما ينسى الصدمة، ولذلك نغرق مجددا في نفس العنتريات بعد أيام متسلحين بالنسيان والغضب وصفحات الفيسبوك.
الشارع يريد تجاهل «غزوة» اجرامية نفذها النظام السابق الذي كان يحكم الدولة العراقية لدولة جارة وان المجتمع الدولي او القوى الكبرى بمعونة وموافقة معظم دول العالم بما فيها الدول العربية والاسلامية هزمت الدولة العراقية التي كان نظام صدام يحكمها كما سبق وان هزم الحلفاء المانيا واليابان والدولة العثمانية، وان العراق لا يختلف عن غيره في تحمل اعباء الهزيمة فتعالوا نتحملها «ونخلص» علما ان المصالحة مع النفس ومع العالم تبدأ من الاعتراف بالهزيمة.
العراق هزم في الحرب مع ايران لأن صدام تنازل لاحقا عن كل اهدافه من الحرب في آب 1990 وحملته الامم المتحدة مسؤولية اشعال الحرب، العراق هزم في حرب الكويت 1991، العراق هزم في نيسان 2003، العراق هزم في حزيران 2014، لا قيمة عند العالم لمن كان يحكم، هذه الدولة قدرنا وهؤلاء الحكام مواطنون في هذا البلد ونتاج لمجتمعه، ومؤسسات العسكر والحكم تتكون من مواطنين عراقيين، بتعبير ملخص: النظام ومؤسسات الحكم والعسكر نتاج للمجتمع الذي عليه تحمل كل نتائج الهزائم عبر الدولة كتوصيف قانوني للوجود الاجتماعي.
احتاج صدام حسين في تسعينيات القرن الماضي الى ابتكار ازمات داخلية تغطي على تنازلاته الخارجية وتوقيعه على قرارات هزيمته ومنها مثلا أزمة «سامكو» التي تزامنت مع قرارات ترسيم الحدود مع الكويت ومنذ ذلك الوقت ونحن نتورط في النسيان او التناسي واليوم نعيش نفس الحال، ولذلك عندما تحدث ازمة ما، علينا ان نبحث عن المشكلة التي اراد صناع الازمة التغطية عليها.
يخطئ من يظن ان زوال حاكم يعني زوال تبعات حكمه بعد أيام أو سنوات، ما زلنا نعيش اليوم في الشرق الاوسط تبعات هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الاولى، وما زالت اليابان والمانيا تعيشان تبعات الحرب العالمية الثانية، وما زال العراق وايران يتبادلان جثث حرب الثمانينيات، وما زال الكويتيون يبحثون عن مواطنيهم المفقودين، ولأننا نعشق التاريخ ونفخر بالانتصارات حتى لو حدثت قبل عشرات القرون فعلينا ان نتحمل تبعات الهزائم التي شاركنا فيها باعتبارنا «جنودا بواسل» والا فإننا سنبقى نحقق الهزائم ونبقى في خصومة مع العالم.
نظامنا السياسي يحاول ايضا التعامل مع الهزيمة باعتبارها فضيحة عائلية ولذلك يقسط الصدمة على دفعات، ومنذ 13 عاما وهو يعترف بتبعات الهزائم على مهل ويريد ان ينسينا انه اعترف او نفذ قسطا سابقا من التبعات، لكن هذا لن ينفع فكما يقال «حان وقت الحقيقة» واذا كنا نناور بالاعتراف بتبعات حرب 1991 فإن الرئيس الاميركي الجديد دونالد ترامب يريد تنفيذ تبعات حرب 2003، فاستعدوا!!.





