غرام الربيعي
اختلط الضباب بالدخان حتى باتت الرؤيا معدومة تماما ،فضاع الحق بين أنقاض الباطل وسط كل هذا الركام من الفوضى العارمة بين تأسيس الدولة الحديثة وتغيير نظام الحكم في البلد بعد 2003 .وأكثر الركام قسوة هو الأجساد المتفحمة في الشوارع وبقايا ملابس أو مقتنيات كخاتم أو ساعة التصقت بكف الراحل وأمثلة كثيرة ،وأبشعها حقيبة مدرسية لبنت بعمر الورد مع كيس سندويشها الفقير ببطاطا مسلوقة ،أبواب و واجهات المحلات المتفحمة التي كانت النعمة الوحيدة الملونة في الشوارع لنصدّق إننا نتجاوز المحن في حياة مليئة بالحماقات والكفر والتسول والجرائم المبطنة بالتبريرات والعبور على روح الأموات والشهداء المغدورين دون ذنب وبلا حقوق .
وأكثر ما يدمي القلب أن الجميع يتحدث عن مظلومية هذا الشعب ،والكل يرفع شعارات وطنية وانسانية ومنهم من يتصدى الحديث عن حقوق الشهداء والمغدورين والتعويضات وغيرها من المواساة المغلفة .
ناهيك عن الدمار للعمران والطرقات والأماكن المهمة الثقافية وما تمثله كهوية ثقافية للبلد وخراب المصانع وتعطيلها عن الإنتاج والمزارع .
وبينما أقلب كتابا عن صناعة الحياة أو ما تضمّنه المعنى ،سخرتُ وجعاً من مقولة :
((كل صبي أحمق يستطيع أن يقتل حشرة ،لكن كل علماء الأرض لا يستطيعون أن يخلقوا واحدة )) آرثر شوبنهاور الفيلسوف الألماني المعروف بفلسفته التشاؤمية ،أود هنا أن أسأله : ماذا سيقول أمام الكم المرعب لفقدان شباب العراق وعلمائه وفنانيه وأدبائه الكبار وحضارة بلد بأخطر مفاصلها ؟؟؟
ترى هذا المد القاتل لكل ما موجود ،هل سيخضع للفرز والتقييم من قبل العقول المدرجة بقوائم المفكرين والمثقفين الفاعلين والثائرين الوطنيين ،وتحديد مفاهيم التغيير بوضوح ومن القادة المناسبين لإعادة إعمار كل ذلك؟، أم سيبقى الحال على إدارة البلد بيد مَن لا يعي من مسؤوليته سوى السرقة والوصول إلى المنافع الشخصية والمكاسب غير المشروعة والإستمتاع بالخلافات المتفاقمة بحجة السياسة والمحاصصة والمصالحة وغيرها من المصطلحات الرنانة والتي تشوش على الحقائق ؟؟.
بينما أعدُّ حالي ممن تبقى من أوجاع الركام لهذا الوطن الذي طالما أحببت رسمه بخارطة خضراء وزرقاء فتحول دون الحلم إلى واقع أحمر ممزوج بالدخان ،فصرت ألعن كل فكرة ترتبط بالنصر والهزيمة ودلالات لمعنى الحياة والموت وأصل الصمت والكلام ،السكون والحركة ،التخلف والتقدم ..حتى باتت كلمات متقاطعة تُقرأ من اليمين ومن اليسار بمعنى واحد هو الباطل والظلم .وكأن كل ما يدور هو لعبة شطرنج تستأنس بموت الجميع والجنود حتماً هم الصيد من أجل أن يحيا الملك .
الملك ، هذه الفكرة التي فقدت كثيرا من لمعانها الخادع ،فحتى الملك لم يعد واحداً والمملكة أضاعت إرثها التاريخي وأوراق ملكيتها أو عائديتها الأصل. والسؤال الغريب، مَن سيحكم الملوك حين يموت الجميع ؟؟
وأي مملكة سيتغنون بها بعد ان تصبح خرابا وركاما ؟!
غاندي :(لم أكن أرغب بتعلم الشطرنج لسبب بسيط ،هو أني لا أريد أن أقتل جيشي كي يحيا الملك).





