طه رشيد
لم يشهد تاريخ العراقي السياسي الحديث, ولا تأريخ المنطقة برمتها, يوما اكثر سوادا من يوم الثامن من شباط 1963 ( 14 رمضان ), الذي دبر فيه الانقلاب الدموي على الجمهورية الاولى في وطننا، بعد سلسلة المؤامرات الفاشلة التي طبخ معظمها في دوائر السي .أ .أي والمخابرات البريطانية، وبالتنسيق مع بعض العواصم العربية وبالتعاون مع المنفذين القتلة في حزب البعث العراقي. وقد اعترف معظم المساهمين في ذلك الانقلاب, لاحقا, بجريمتهم سواء عبر مذكراتهم ام تصريحاتهم الصحفية. وبينت معلومات اخرى كيف تم تزويد الانقلابيين بالمال والسلاح والمعلومات المطلوبة لانجاح ذلك الانقلاب. وبسرعة خاطفة تحول العراق الى زنازين تعذيب ازهقت فيها ارواح الكثيرين من شرفاء الوطن، من ضباط وعلماء واطباء وكتاب وفنانين وصحفيين وشغيلة فكر ويد. كما قاموا باغتيال خيرة وانبل الضباط العراقيين مثل الزعيم عبد الكريم قاسم ووصفي طاهر وفاضل عباس المهداوي وجلال الاوقاتي وداود الجنابي وماجد محمد امين ومئات غيرهم . وتكفي الانقلابيين عارا جريمتهم البشعة المتمثلة في ” قطار الموت ” حيث تم حشر سجناء رقم واحد بمعسكر الرشيد في قطار حديدي محكم الاغلاق (خاص بنقل البضائع) وارادوا نقلهم في الصيف اللاهب الى سجن نقرة السلمان الصحراوي في السماوة , الا ان نباهة السائق وانسانيته وتضامن الاهالي مع الضحايا حال دون تنفيذ جريمتهم! ولا ننسى ان حاكمهم العسكري رشيد مصلح اصدر بيانه المشؤوم رقم 13 الذي اجاز قتل اي مواطن يشتبه بانتمائه او تعاطفه مع الحزب الشيوعي، الذي قدم قافلة من الشهداء إثر ذلك الانقلاب، وكان في مقدمتهم الرفيق الخالد, سكرتير الحزب انذاك, الشهيد سلام عادل وكوكبة من قيادييه: جمال الحيدري ومحمد العبلي وابو العيس وعبد الجبار وهبي ” ابو سعيد” وغيرهم. بعد سقوط نظام البعث في 2003 , غير مأسوف عليه, والقاء القبض على صدام, كنا نأمل ان تجري محاكمته اولا على الجرائم التي اقترفها مع عصاباته في ذلك الانقلاب المشؤوم, خاصة وانه ساهم قبل ذلك بمحاولة فاشلة لاغتيال الشهيد الراحل عبد الكريم قاسم في 1959, الا ان رغبات الطائفيين واصحاب مشاريع المحاصصة, الذين ثبت فشلهم الذريع في بناء عراق ملون جديد ومتآخ وموحد, سارت في اتجاه اخر! اليوم حيث تحل الذكرى الرابعة والخمسون لهذا الانقلاب الاسود نتمنى ان تتم اعادة الاعتبار لكل شهداء ذلك الانقلاب بدفع تعويضات مجزية لعوائلهم وتسمية ساحات وشوارع باسمائهم تخليدا لذكراهم, وان يضاف الى مادة التاريخ التي تدرس في المدارس والجامعات ما يبين جوهر تلك الحركة الانقلابية، لكي تتعرف الاجيال الجديدة على حقيقة ما جرى من نكبات على شعبنا في القرن الماضي. ولكي لا يتكرر ما حدث، وهو وصمة عار على جبين القتلة.





