بينما أقلّب كتاباً عنMargret med وأنا في طريق العودة من مدينة البصرة الحبيبة إلى الحبيبة بغداد بعد انتهاء مهرجان المربد الشعري ،تشابكت أفكاري حول كل ما حدث أمامي أو سمعته من الأصدقاء من أحاديث جانبية منها متوقع ويتكرر في كل مناسبة ومنها ما يثير الإستغراب في أن يحدث أو يصدر من شخوص يمثلون رأس الهرم للفئة الواعية في المجتمع والمتمثلة في المثقفين والأدباء حصراً ،فمن المخجل أن ترتبط هذه المفردة بالأدب زاحفة إلى السلوك والأخلاق والتأدب الغائب .والسفر عادة ما يكشف تفاصيل كثيرة عن معادن الناس وحقائق ما يعلنون وما يسرون .
يقول شكسبير:
(إننا بحاجة للخلافات أحياناً لمعرفة ما يُخفيه الآخرون في قلوبهم ،قد تجد ما يجعلك في ذهول وقد تجد ما تنحني له احتراماً ).
نعم ،فالمجاملات الوقتية لا تعكس حقائق ، بل تمرر المواقف بأجمل صورة لأنها ستكون بلا دوافع ولا منافع غير أن ننهي لحظة لقاء بابتسامة هي غير ضارة أو بخسائر تُذكر .هنا تختفي ملامح الذات الحقيقية وسرعان ما يكشفها السفر ،السفر سيحتاج إلى معايشة مفارقات ممكنة وغير ممكنة وأقصد تحملها من طرف والطرف الآخر ،وما يترتب على ذلك من تنازلات صغيرة أو كبيرة من هذا الطرف أو ذاك لتمرير الرحلة بسلام ،ولكن ما يدعو للدهشة حين تحدث المفارقات التي يختلف عليها الطرفان لأسباب شخصية مثل الأنانية والنرجسية والغيرة والحسد وما يقترب من هذه المعاني البائسة ،والتي فعلاً ما ذكرته مارغريت ميد في كتابها عن الثقافة والشخصية .
،تعد مارغريت من أكثر علماء الأنثربولوجيا الثقافية شهرة في الولايات المتحدة ومن أهم النتائج التي توصلت إليها في بحوثها ودراستها الميدانية أنّ أنماط الشخصية تتحدد بالعوامل الثقافية لا عن طريق العوامل البيولوجيّة .حيث قضت حياتها في دراسة الشعوب المنفصلة وعلى وجه الخصوص أولائك الذين كان اتصالهم بالحضارة الغربية لا يزال ضعيفاً.
كانت لديها خبرة بأسلوب دراسة الحالة ومعرفة بأن السلوك الفردي ينبغي أن يدرس في ضوء السياق الاجتماعي ،هذا بالإضافة إلى طريقة الملاحظة وبالمشاركة .
هذا المقطع أثار حفيظتي لتفسير كل ما حدث ويحدث مراراً من بعض الأشخاص عند حدوث فعل ما أو نشاط ثقافي ما ،فبطريقة مارغريت عن الملاحظة والمشاركة تلمست الكثير من العقد الشخصية والمساوئ الأخلاقية عند السفر تكشف هراء الثقافة التي يمتلكون وسخف القيم التي يحملون وسوء الرأي الذي يدعون .والأكثر دهشة أن هذا البعض هو أكثر من يتذمر وينتقد ويملأ الطرقات بالصراخ والتبجح بقيم عليا ،والتفاتة أو عودة سريعة للنفس سيجد نفسه هو الأكثر مثيراً للخطأ أو الغلط الذي يشيعه بممارسات مبررّة يخدش فيها الكثير من الجماليات من حوله .
بالتأكيد الأمثلة كثيرة وكبيرة لا يحتمل طرحها مقال قصير وعام . منها على سبيل الطرح ،هو الخلط بين المكابرة في الطلب والإساءة للآخرين ،أو ضرورة إقامة نشاط من عدمه إن كان سيشترك أولا يشترك فيه ،أو سبق الرأي قبل وقوع الحدث كأنهم بنبوءة نبي أو ربما يقرؤون الطالع .البعض يحكم على فعالية لم يحضرها ويبني على ما سمع من هذا وذاك .وأشياء كثيرة تنم على عوامل ثقافية مهزوزة ومهزومة تأكل من جرف الذات الممثلة لمساحتها في الوسط الثقافي بسبب حدث عابر أو موضوع عابر له الكثير من البدائل التي تحفظ هيبة معنى الثقافة ودلالاتها .خصوصاً عندما تتحول المحافل الثقافية مجرد لهو وسخرية وقضاء الوقت بدل الملل مع ضجيج الاختلاط .هنا هم يقتلون الثقافة بدل إحيائها .
ولعل أبرز ما أثارته السيدة مارغريت في نفسي هو ما كنا نغفله لبعض الشيء ،إن الأسماء المسماة كبيرة فقدت كبرها وتشوّهت بغضاضة ما تفعل وتنتج ،فهل يُعقل أن النصوص تشيخ أم الذات المبدعة تضمحل مع غرور المسمى والوصف .فالتجارب المبكرّة صارت الأجدى على عملية التغيير الواجبة .
:(لا تشككوا أبداً بقدرة مجموعة صغيرة من أصحاب الفكر على تغيير العالم ،لأن ذلك هو ما يحدث دائماً )مارجريت ميد.
اهم الاخبار
كتاب الحقيقة
مارغريت ميد وهموم المربد
- 18 فبراير, 2017
- 61 مشاهدة





